مقالات الرأي

(داعش) تتثاءب و(قسد) تتقلب

لم تعد أخبار (داعش) تثير اهتمام الرأي العام، أو حتى وسائل الإعلام، بالكيفية التي جرت خلال السنوات الثلاث الماضية، وصولًا إلى اللحظة الفاصلة، في ما أطلق عليه “تحرير الرقة”، ثم إعلان إدارة ترامب الانتصار في الحرب الأميركية الطويلة ضد (داعش)، التي انطلقت بتشكيل التحالف الدولي، عام 2015، ونتج عنها تدمير الرقة، وخروج تنظيم الدولة نحو البادية السورية والحدود العراقية. وبذلك اعتقد التحالف الدولي أن تلك الصفحة سوف تطوى بكل أحداثها وأسرارها، ربما سنوات طويلة.

كما أن العمليات العسكرية التي ينفذها التحالف الدولي و(قسد)، في ريف الحسكة ودير الزور، بضحاياها المدنيين، لم تعد تثير أسئلة الناس واهتمامهم، بعد انصراف المجتمع الدولي عن الاهتمام بما يجري. المذابح تتوالى بصمت، والقرى تدمّر على خطى ما جرى في الرقة. مثلث جزيرة الفرات – دجلة، تعاد فيه صياغة الأمكنة والذاكرة، بمحو كل شيء.

التطورات اللاحقة التي تشهدها المنطقة، تُشير إلى عودة قوية لاحقة لـ (داعش)، إذا ما شعرت أطراف معنية بالحاجة إليها، كالنظام السوري، والإدارة الأميركية، ومن في ركبهما. الحقيقة الأكثر أهمية أنه فعليًا لم يتم القضاء على هذا التنظيم الإرهابي، بتواطؤ جميع الأطراف، خاصة تلك التي تعقد معه اتفاقات الانسحاب، وتسمح بعبوره إلى مناطق أخرى. والانسحاب، بالمفهوم العسكري، هو إعادة انتشار جديد، التقاط الأنفاس واستعادة القوة، ترميمها وإعادة بنائها من جديد، وهذا ما تقوم به (داعش)، وعملياتها الأخيرة في البوكمال مؤشر مهم في هذا الاتجاه. وفي الواقع، أخذت عملياتها تشتد كمًا ونوعًا، وتلعب دورًا محوريًا في المناطق المتاخمة لتواجدها، باستهداف قوات النظام الأسدي، في عمليات تأخذ طابعًا احترازيًا، يضمن سلامة واستمرارية وجودها في المنطقة.

عودة (داعش) أضحت ممكنة، بعد قرابة ثمانية أشهر على تحلل دولتها في الرقة والموصل. وقد تبدو الاستعدادات الأميركية، على درجة عالية من التأهب، لأخذ المبادرة في حال حدوث أي اختراق للمناطق التي تحكمها (قسد)، في ظل القيادة الأميركية على المنطقة، خاصة أن العمليات العسكرية بدأ يشتد أوارها في ريف الحسكة الجنوبي، ضمن المرحلة الأخيرة لعاصفة الجزيرة، و”تحرير” بلدة الدشيشة، في سياق تأمين الحدود السورية – العراقية. على أرض الواقع، ما تزال (داعش) تُسيطر على جميع المفاصل الحدودية، في ريف دير الزور، وتتحرك بيسر وسهولة بين البلدين، ومن الصعب إنجاز مهمة كهذه دون تسوية مع التنظيم الإرهابي، كما اعتادت القيام به سرًا قوات (قسد)، بدعم أميركي مباشر. العدد الكبير للطلعات الجوية المنفذة حتى اليوم سيدفع في اتجاه التفاوض، خاصة أن الحدود على الجانب العراقي لا تشهد عمليات مماثلة.

من هنا يمكن فهم المناورات التدريبية التي أقامتها قوات التحالف مع (قسد) داخل مدينة الرقة، وفي محيطها القريب، بهدف تحقيق هدفين رئيسين، هما قطع الطريق على أي خليّة داعشية، قد تتمكن من اختراق الطوق الأمني المفروض على الرقة، وتنفيذ عمليات انتحارية ضد المقاتلين الأكراد، كما حدث في البوكمال. والهدف الثاني هو رفع الجاهزية القتالية لدى عناصر (قسد)، ورفع معنوياتهم، في ظل معطيات مهمة تشير إلى توجه أميركي جاد بتخفيف الدعم عن ميليشيا صالح مسلم، وعدم اعتبارها شريكًا وحيدًا في المنطقة، خاصة بعد التفاهم حول منبج بين أنقرة وواشنطن.

في ظل التوتر الذي تعمل على إذكائه إدارة ترامب، مع أطراف دولية حليفة للولايات المتحدة، مثل كندا وفرنسا وبريطانيا، فإنه ليس من المستبعد أن تصعد واشنطن حملاتها العسكرية في سورية، بذريعة استمرار (داعش) في تنظيم هجمات موجعة، واستثمار ذلك في رفع درجة المخاوف في المنطقة من تنامي الدور الداعشي مجددًا، وربط ذلك بالدور الإيراني.

تذهب واشنطن إلى تعزيز وجودها، وبالطبع دورها، وهذا ما أشار إليه مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد، قبل يومين: السياسة الأميركية في سورية لا تهدف فقط إلى هزيمة تنظيم (داعش)، بل إلى مواجهة النفوذ الإيراني أيضًا.

قد لا تحظى ميليشيا صالح مسلم بأولوية الشراكة، في خطة واشنطن للمرحلة المقبلة، فثمة تطورات تؤثر في استمرار الدعم السياسي والعسكري لها. قوات (قسد) لا يمكنها القيام بأعمال أمنية أو مشروعات سياسية في المنطقة، من دون دعم وتدخل أميركي مباشر. إضافة إلى كونها تعاني من مشكلات داخلية عميقة، هي طرف غير مقبول من الأهالي، بل إن مجتمع الرقة، وهي مركز ثقل في الوجود الأميركي في الجزيرة السورية، طالب قوات (قسد) بمغادرة المدينة. ليست الاحتجاجات عرضية، ولكنها مطالب جذرية لمدينة خاضت حراكًا هادئًا في الثورة السورية، قاد إلى تحريرها من النظام، كأول محافظة سورية تحقق ذلك، قبل أن تختطفها وتتناهبها التنظيمات المسلحة.

أخلت (داعش) مواقعها لقوة غاشمة بديلة، فلم تستطع “قوات حماية الشعب”، أن تثابر على ارتداء ثوب الديمقراطية والأمة المُحرِّرة، فمارست العسف والجور والاضطهاد في مناطق سيطرتها، وقامت بعمليات الاعتقال والاختطاف، وإنشاء معسكرات عزل واعتقال تماثل النازية في أدائها. وتتكتم حتى اليوم على مصير العشرات من أبرز ناشطي الرقة في الحراك المدني، إضافة إلى مئات المغيبين الذين اعتقلتهم (داعش). هناك مدنيون آخرون شوهدوا بعد إخلاء الرقة من (داعش)، ثم اختفوا ولا يعرف أحد مصيرهم، إضافة إلى مسؤوليتها في قضية الألغام. نحن نرى فيه أسلوبًا من أساليب “النضال الكردستاني”، وليس أسلوبًا داعشيًا. تعتمد الأخيرة على العمليات الانتحارية، عبر أفراد أو آليات مفخخة.

إذا كانت (داعش) تحاول استعادة أنفاسها مجددًا؛ فإن ذلك مؤشر على انسداد أفق التحول الديمقراطي، وغياب المشروع السياسي الذي يمكن أن يتحقق في المنطقة، وهو فشل في الوجه الآخر لسياسات تمرير الأهداف الحقيقية التي تنضوي عليها تحالفات أطراف “محاربة داعش”: واشنطن و(قسد)، ويبدو أن قيادات العمال الكردستاني تدرك ذلك جيدًا، وتواصل تأرجحها على كل الخطوط والحبال الممكنة.

يعكس تصريح صالح مسلم الخيبةَ والمرارة، من طبيعة الدعم والعلاقة مع واشنطن، من جهة، وسعيه لتحقيق المنفعة لحزبه أنّى وُجدت، ولو بالتعاون مع النظام أو “إسرائيل”، لا فرق لديه، من جهة أخرى. الثابت أن سنوات الخدمة مع الأميركيين سوف تؤول إلى نهايتها مع تدفق قوات أوروبية -فرنسية وإيطالية- إلى المنطقة، هي شريكة في العمق للولايات المتحدة، وتحت قيادتها الأطلسية، لا جدال فيها، مهما بلغت الخلافات السياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق