كلمة جيرون

العيد و”فواحش” النظام

ربما هو جنوح نحو حالة إنسانية حاول النظام حرمانهم منها، أو محاولة لنسيان واقع مأساوي لا علاج له في الوقت الراهن، أو هروب من استحقاق حلوله ليست بمتناول اليد، أو ربما حالة ذاتية متأصلة زرعتها العادات والتقاليد والأعراف التي تُعتبر بشكل أو بآخر جزءًا من المواطنة التي يحلمون بها.

لم يبق سوري إلا ووجه تهنئة لبقية السوريين، في الداخل والمنافي القسرية، وعض الجميع على جرحهم وحاولوا مواساة النفس والآخر، ونثر الأمنيات يمنة ويسرة، عسى أن تصيب من يُحبون أو يتوقون للقياه، وشددوا في غالبيتهم على أن حلمهم الأساس العودة إلى بلدهم خاليًا من كل جرذان الأرض، وعلى رأسهم من شرّدهم وفرّقهم وخرّب أعيادهم.

وحده النظام السوري كان همجيًا، فمع إشراق شمس يوم العيد، قرّر قصف المدنيين المساكين، وقتل أطفالًا كانوا يستعدون للانطلاق نحو أرجوحات العيد، ومارس أسوأ ما يمكن أن تُمارسه البشرية من شر، وتعمّد أن يفعل فعلته في وقت كان الناس فيه يستعدون لسرقة لحظات فرح افتقدوها منذ سبع سنوات، بل وبالأدق، منذ خمسين عامًا.

تقضي المواطنة، حسب أشمل مفاهيمها، مشاركة سكان الوطن في تطبيع المواطن بالعادات والتقاليد والهوية والقيم الروحية واللغة والتاريخ المشترك وما يشبه ذلك من معايير وقيم، بحيث تكون المواطنة بدورها نتيجة لهذه القيم وللعيش المشترك والتفاعل والآمال والمطامح الناشئة عن الوجود المشترك على أرض الوطن والعلاقات الجدلية بين المواطنين، وخاصة ما تؤدي إليه من التلاحم والتكافل وتأسيس هوية وطنية مشتركة.

كل ما سبق لا يفهمه النظام السوري، ويمكن الجزم أيضًا أنه لن يفهمه، فمنذ سبع سنوات وحتى اليوم، لم يكترث النظام بأي قيمة إنسانية أو بشرية، وحاول بكل الوسائل تدمير كل إمكانيات العيش المشترك، وفعل ما بوسعه لتدمير ثقافة وتقاليد وعادات المجتمع السوري على تنوعاتها، ومحو كل ما يمكن أن يجمع السوريين من مُثل وقيم وهوية ومشاعر بشرية.

منذ سبع سنوات وحتى اليوم، يقوم النظام السوري بقتل البشر في الأعياد، ويستهدفهم وهم يُصلّون في المساجد، أو يتعالجون في المشافي، ويقتل الأطفال في المدارس، ويرتكب مجازره خلال احتفال البشر في الأعراس، ويحرق البشر بـ “نابالمه” وهم يتسوقون في الأسواق.

لم يبق طقس اجتماعي أو إنساني مما يُمارسه السوريون إلا وانتهكه النظام السوري، لأنه هو نفسه بلا قيم ولا مبادئ ولا إنسانية ولا أخلاق، وهذا بعض من فواحشه التي دفعت السوريين للثورة ضدّه.

ومع هذا، من حق كل السوريين أن يحلموا، ويتمنوا ويشتاقوا ويعشقوا، ويشعروا بشيء من إنسانيتهم، في أيام العيد وخارجها، رغمًا عن أنف النظام وحقده، وإن استمروا في الحلم بكل جميل، فسيأتي المستقبل من تلقاء نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق