ضد اليأس

يطرح بعض المتشائمين علينا، بين الفينة والأخرى، السؤالَ الآتي، بشعور من اليأس: ماذا تقول بعد هذا القيل الهائج الآتي من مزابل التاريخ الذي يهجم على فكرة من أفكارنا هنا وفكرة هناك من خطابنا حول الحرية، بمثل هذه اللغة السوقية وما دون السوقية؟ أما زلت تعتقد بأن الحرية تليق بهؤلاء؟

في الإجابة عن سؤال كهذا؛ يجب أن نتذكر أولًا الملايين التي خرجت إلى الشوارع والساحات تُنادي بالحرية، وواجهت بصدورها رصاص السلط البربرية، فهؤلاء قد شقوا الطريق إلى الحرية، وعلينا أن لا نخون هذا الحدث التاريخي، ولا يدفعنا الهمج إلى اليأس.

من هم أصحاب هذا القيل الذين يخرجون علينا بالشتائم والقول البذيء؟

هناك نوعان أساسيان من هؤلاء متشابهان بالبنية الذهنية والانحطاط الأخلاقي: الأول أقلامٌ منتمية إلى السلطة الهمجية بدافع طائفي صرف، أو بدافع مصلحي ضيق الأفق، وفكرة الحرية والديمقراطية عند هؤلاء لا تعني سوى القضاء على الأساس الذي يبقيهم محتلين للسلطة وغارقين في وسخها المفيد.

هؤلاء يُجملون خطابهم المعادي للحرية والحياة، والمدافع عن الجماعة القاتلة، بالهجوم على الأصولية العنفية كـ “داعش” و”النصرة” وما شابه ذلك، والنظر إلى كل من يواجه الجماعة الحاكمة المستبدة على أنه منتمٍ إلى الأصولية، وبالتالي يضعون الإنسان أمام خيارين لا ثالث بينهما: إما أن تكون مع الجماعة الحاكمة والقاتلة وميليشياتها، وإما أن تكون مع الأصولية العنفية القاتلة هي الأخرى.

يتكوّن هذا النوع من المدافعين عن الجماعة الحاكمة، بهذا المدخل البدائي في التفكير، من بقايا كتَبة، وبقايا فنانين، وبقايا ضباط ولدوا في أحضان سرايا الدفاع واكتسبوا روح الإجرام التي تأسست عليها، أو ضباط (جاز الزمان بهم حدود مجونه) على قول عمر أبو ريشة، ساعدتهم فضلات القوة مرة في أن يكتبوا الهراء في كتاب.

أما النوع الثاني: فهو المنتمي إلى الأصولية العنفية القاتلة التي تُعادي النظام من منطلق نزعة الغنيمة، وتعادي الحرية والديمقراطية والعلمانية معاداة تفوق معاداتها للنظام.

هذه الأقلام، هي الأخرى، تطرح ثنائية شبيهة بثنائية المنتمين إلى الجماعة الحاكمة: فإما الجماعة الحاكمة وإما حكم الإسلاموية والشرع، وكل من لا يقف إلى جانب الإسلاموية، فهو واقف إلى جانب الجماعة الحاكمة.

هناك نمط ثالث مستتر لم نجعله نوعًا، لأنه ينتمي إلى أحد النوعين السابقين، وهو نمط مكلف بالوقوف ضد الجماعة الحاكمة ظاهريًا، ويعبر عن ذاته في صفحات التواصل الاجتماعي، وينال من الأقلام المدافعة عن الحرية، وآخر يقوم بالمهمة نفسها، وهو منتمٍ إلى الأصولية العنفية.

مرة أخرى نقول: هل وجود كائنات على هذه الشاكلة سببٌ لدخول اليأس إلى نفوسنا؟ الجواب: طبعًا لا، بل إن وجودهم سبب إضافي لبقاء إصرارنا على خطاب الحرية.

ولعمري، إن أخطر ظاهرة في مجتمع الاستبداد البدائي هي وجود جماعة من العبيد الخلص الذين يخدمون سيدهم ويموتون من أجله، دون أن يشعروا يومًا بعبوديتهم.

هذان النوعان ضحية عقود من القمع والتجهيل وتزييف الوعي والمصالح الضيقة وفضلات القوة، ضحية أنظمة دمرت حياتهم الروحية والأخلاقية، وتركتهم نهبًا للظلام، هم أبناء العربية الذين علينا أن ننقلهم إلى الحالة البشرية، إلى الإحساس بوجودهم، ونخلق لديهم الوعي بأنهم كائنات إنسانية، وليسوا أدوات تشبيح أصولي أو سلطوي، ولا يجب علينا أن نكفر بثورات الربيع العربي التي جعلت من الحرية والكرامة هدفًا لها. علينا جميعًا من المصلح الديني سليل الكواكبي ومحمد عبدة، إلى التنويري الديمقراطي سليل فرح أنطون وعبد الحميد الزهراوي، إلى كل من يجعل من قلمه وسيلة للدفاع عن الحياة أن نظل حاملين همّ الحرية الإنسانية لأبناء العربية. بل قل إن غياب الحرية سبب كافٍ للدفاع عنها بوصفها نمط حياة. فالحرية ليست تحرير المجتمع الذي يشعر بغيابها من الاستبداد والقهر الذي مارسته الجماعة الحاكمة وما زالت تُمارسه فحسب، وإنما تحرير العبيد الذين لا يشعرون بعبوديتهم.