مقالات الرأي

الجولان المحتل في خطر

بعد واحد وخمسين عامًا على الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وبعد سبع وثلاثين عامًا على “قانون ضم الجولان”، الذي رفضه السوريون الذين بقوا في الهضبة المحتلة، تحاول “إسرائيل” اليوم إكساب احتلالها “شرعية” دولية.

كنتُ قد ذكرتُ، في مقاربةٍ قدمتها في ندوة لـ “صالون الجولان” المنبثق عن “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، في تشرين الثاني/ نوفمير 2016، أنّ العديد من مراكز التفكير الإسرائيلية “تعوّل على اعتبار الفوضى القائمة في سورية فرصةً، يجب على إسرائيل أن تجبي نتائجها في الجولان”، من خلال محاولة إحياء “وديعة فورد” ذات العلاقة بـ “تبعية الجولان لإسرائيل”، والتخلص من “الإطار المفاهيمي” الذي تم التوصل إليه، نتيجة المفاوضات الإسرائيلية – السورية، في أيار/ مايو 1995، والعودة إلى فكرة “الأمن قبل السلام”، بما ينطوي عليه ذلك من أنّ بقاء المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، بل توسيعها، يضمن “أمن إسرائيل”.

من هذا المدخل، رأت “إسرائيل” أنّ دفع سورية نحو الانقسام والتفكك -وإن كان سيزيد من المخاطر الأمنية على حدودها الشمالية- سيضمن “التشكيك في المشروعية القانونية”، لمطالبة أي من الدويلات التي ستنشأ –حال تفكك سورية– بالجولان. وبالتالي يصبح ضمّها ليس فقط أمرًا واقعًا، بحكم الاحتلال الإسرائيلي لها منذ عام 1967، بل أمرًا بالإمكان إعطاؤه شكلًا شرعيًا، وفق القانون الدولي في مرحلة لاحقة. وقد يكون السيناريو الذي تأمله “إسرائيل” هو نشوء دويلات على أنقاض سورية الموحدة؛ ما يسهّل المحاججة بـ “حق إسرائيل”، “قانونيًا”، في ضم الجولان إليها بشكل نهائي.

إن الضمانات المطلوبة إسرائيليًا هي “وديعة أميركية” شاملة بشأن الجولان، بما في ذلك ضمانات رئاسية وتشريعات في الكونغرس الأميركي، تضمن السيادة الإسرائيلية على الجولان. بالاستناد إلى أنه، في العام 1975، صدر تعهد رئاسي مكتوب من الرئيس الأميركي حينذاك، جيرالد فورد، لرئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، إسحق رابين، تضمن اعترافًا أميركيًا في شأن “حاجة إسرائيل الماسة لهضبة الجولان، حتى في وقت السلم”.

وهكذا، فإنّ الإنجاز، المطلوب والممكن لـ “إسرائيل”، هو اختراق الموقف الدولي، وإعادة المصادقة على الموقف الأميركي بشأن الجولان. وفي هذا السياق، أعلن وزير المخابرات، يسرائيل كاتس، في 23 أيار/ مايو الماضي، أنّ “إسرائيل تضغط على إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للاعتراف بسيادتها على هضبة الجولان المحتلة، وأنها تتوقع موافقة الولايات المتحدة على ذلك خلال الشهور القادمة”. وأكد أنّ الاقتراح يتصدر جدول أعمال المحادثات الديبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث طرحها رئيس الوزراء نتنياهو، في أول اجتماع له مع الرئيس ترامب، في شباط/ فبراير 2017، وهي قيد النقاش –حاليًا– على مستويات متعددة، داخل الإدارة والكونغرس.

لقد كُشف في “إسرائيل” مؤخرًا، في 3 حزيران/ يونيو، عن خطة أميركية تقضي باعتراف أميركي بهضبة الجولان السوري المحتل كجزء من “إسرائيل”، وتتضمن الخطة تطبيق الاتفاقيات التجارية الإسرائيلية – الأميركية في الجولان، بمعنى تحويل الميزانيات إلى مشاريع مشتركة، ووضع علامات “صُنع في إسرائيل” على منتجات المستوطنات في الجولان، وإرسال وفود رسمية من الكونغرس إلى الجولان، وصياغة وثائق رسمية “تعترف بالسيادة الإسرائيلية في الجولان”، والاعتراف بـ “التغييرات التي حدثت على الأرض”. وتبيّن أن هذه الخطة هي جزء من جهد يبذله أعضاء في الكونغرس، بقيادة السيناتور تيد كروز.

أوضحت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية أنّ أحد المقترحات ينطلق من محاولة استثمار الوضع الحالي في سورية: “نظرًا إلى التغيّرات التي حصلت في الميدان، ومنها التسلل الإيراني إلى سورية ولبنان، فإن من غير الواقعي توقّع انسحاب إسرائيل من مرتفعات الجولان”.

مما يزيد من خطورة هذه التصريحات والرسائل أنّ ثمة تخوّفًا من تأييد أميركي في الكونغرس لاقتراح عضو مجلس النواب، رون ديسانتيس، على لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، لتشريع “قانون اعتراف أميركي بالجولان تحت السيادة الإسرائيلية”.

ربما يكون التلويح بورقة “اعتراف أميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان” موجّهًا إلى رأس سلطة آل الأسد، للضغط عليه لإنهاء الوجود الإيراني في سورية. ولكن، ليس مستبعدًا أيضًا أن يكون بندًا من بنود “صفقة القرن”، التي دشنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالاعتراف بالقدس “عاصمة لإسرائيل”.

ويبقى السؤال: إلى أيّ مدًى يمكن أن يتحقق فرض السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، بعد واحد وخمسين عامًا من احتلالها، وهي أرض سوريّة، ليست من أملاك سلطة آل الأسد، وستبقى بعدهم ملكًا للشعب السوري؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق