سورية من أكثر دول العالم فسادًا

أصدرت منظمة الشفافية العالمية، في 21 شباط/ فبراير 2018[1]، مؤشر تصورات الفساد لعام 2017، وعبّرت عن قلقها من النتائج التي تركز على أن سورية، وجنوب السودان، والصومال حلّت في المراتب الأدنى: 14 و12 و9 على التوالي، في الفساد. أي أن سورية كانت في المرتبة 178 بين دول العالم في الفساد، حيث تعاني -كما ذكر التقرير- “من ضعف المؤسسات العامة والصراع الداخلي وعدم الاستقرار. وتسمح مثل هذه المواقف للفساد بالانفتاح على القليل من عمليات التفتيش الرسمية في ظل العنف المستمر، فضلًا عن الحروب والصراعات الداخلية، التي تسببت في تآكل جميع أشكال الحكم الرشيد”.

إن إجمالي تكلفة الفساد في العالم سنويًا تبلغ 2.6 تريليون دولار، أي ما يمثل 5 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي[2]، بينما تكلفة الرشاوى، وهي أحد أبرز أشكال الفساد، تبلغ تريليون دولار سنويًا، حسب أحد تقارير البنك الدولي. منظمة الشفافية الدولية تصدر تقريرًا سنويًا عن الفساد العالمي، عرّفت الفساد بأنه “إساءة استعمال السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب شخصية، سواء في القضاء أو الصحة أو البناء والإعمار أو السياسة أو أي من القطاعات الحيوية”.

تعدّ ظاهرة الفساد السياسي والاقتصادي والإداري من الظواهر الخطيرة التي تواجه الدول، وخاصة في فترة الحروب وخلال المراحل الانتقالية. حيث يؤثر الفساد تأثيرًا كبيرًا في عملية التنمية والصمود وإعادة الإعمار والاستقرار. وتزداد فرص ممارسة الفساد، خلال الفترات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويساعد في ذلك حداثة أو عدم اكتمال البناء المؤسسي والإطار القانوني؛ ما يوفر بيئة مناسبة للفاسدين مستغلين ضعف الجهاز الرقابي في هذه المراحل.

بصفة عامة، يمكن إرجاع أسباب انتشار الفساد وتفشيه إلى وجود بيئة سياسية واقتصادية وثقافية فاسدة، فالفساد ينتشر عندما يكون حكم القانون غائبًا، والمؤسسات ضعيفة وفاشلة. وبشكل عام، عندما يبدي الناس تسامحًا حيال الفساد. لكن المفارقة الغريبة الجديرة بالإشارة هي أنه كلما كثر الحديث عن الفساد وعن محاربته؛ ارتفعت مؤشراته، كما تبين ذلك استطلاعات الرأي التي تقوم بها منظمة الشفافية الدولية، وكما تشير إلى ذلك مجموعة من الأحداث والفضائح التي ملأت صفحات الجرائد. ولعل أخطر ما في الفساد من مميزات أنه حاز مشروعية شبه رسمية في المجتمع، حيث يتمتع بقدرٍ مهم من القبول، لدى الرأي العام الشعبي[3].

تكشف دراسات مؤشرات الفساد التي تقتفي أثر الفساد من جهة، والعنف أو عدم الاستقرار والإرهاب من جهة أخرى، تطابقًا واضحًا بين الفساد وانعدام الأمن؛ فالبلدان التي تتميّز بالفساد الشديد تعاني أيضًا الصراع أو فشل الدولة. ويؤكد مركز (كارنيغي)[4] وجودَ تلازم بين الدول الفاشلة وبين الدول التي تعدّ فاسدة؛ حيث “ساعد الحكم الفاسد بشدّة المنظمات المتطرّفة، ليس من خلال تحفيز المواطنين الساخطين على الالتحاق بها وحسب، بل أيضًا عن طريق توفير ملاذ ودعم لوجستي لتلك الجماعات نفسها، حيث يتراخى المسؤولون عن أداء واجباتهم لقاء أجر أو إكرامية”.

الفساد في سورية

ما تزال الحرب السورية واحدة من أكثر الصراعات المدمرة في القرن الحادي والعشرين، ولم يترك الفساد المستشري في سورية منذ عقود مجالًا إلا طالهُ بأشكال وأدوات متعددة، وخلال سنوات الحرب؛ اتسعت ميادين الفساد وتنوعت أساليبه حتى وصل إلى العمل الإغاثي والإنساني.

وبما أن سورية تُصنف في المراتب الثلاث الدنيا للفساد في العالم؛ فمن الصعب أن يتم رصد عمليات الفساد التي تصاحب المساعدات التي تقدم لسورية؛ وذلك لضعف المؤسسات الحكومية وغياب بعضها الآخر، وهو ما يعني بالتالي ضعف المعلومات الموثقة، وانعكاس ذلك على غياب الشفافية.

وقد تغيرت الجغرافيا السورية خلال الحرب، وأسفر الفقدان التدريجي للسلطة المركزية عن تفكك الاقتصاد، وفتح أبواب أسواق جديدة أمام الجهات الفاعلة الأخرى. ويرى معظم السوريين أن الحرب أنتجت أنواعًا من التجارة السوداء، وظهرت طبقة جديدة من التجار (تجار وأمراء الحروب والأزمات)، وأصبح الفساد والسوق السوداء وأعمال الخطف والحواجز مصادرَ دخلٍ لعدد كبير من تجار الحرب الجدد الذين يستغلون الحرب في سورية، لإنعاش التهريب وتجارة السلاح. وقد صعدت فئات جديدة إلى أعالي الهرم المعيشي في البلاد، بينما يعاني معظم الشعب السوري أحوالًا تزداد تدهورًا، يومًا بعد يوم.

كرست الحرب السورية، بتشعباتها المناطقية، كثيرًا من أمراء الحرب الذين أثْروا من خلالها، غير أنه من خلال المفهوم الاقتصادي يمكننا التمييز بين أنواع عدة من أمراء الحرب في سورية، تبعًا لمراكزهم ونشأتهم، وطبيعة ثرائهم. فبحسب دراسة وجيه حداد[5] حول “الاقتصاد السوري، من أمراء الفساد إلى أمراء الحرب”، يندرج الصنف الأول في صنف قادة الميليشيات، والقادة الميدانيين الذين يبسطون نفوذهم على الأرض مددًا طويلة، ويتحكمون في كامل مقدرات المنطقة اقتصاديًا، وهم ينتمون إلى التشكيلات المتحاربة كلها، وترجع مصادر ثروتهم إلى بسط يدهم على مقدرات المنطقة التي يتولون أمورها كلها، بدءًا من النهب والسلب، واستخدام النفوذ، وإمساك الطرقات والتلاعب بالمساعدات، والتجارة غير الشرعية، مرورًا بتجارة الخطف والمخدرات والأسلحة. أما الصنف الثاني، وهو الأكثر تنوعًا وسريّة، فهو الطبقة التي نشأت من خلال التجارات البينية بين المناطق المتحاربة، وعززت هذا النوعَ من التجارة سياسة الحصار وتقطيع أوصال المناطق. وغالبًا لا ينتمي هؤلاء مباشرة إلى الجسم العسكري المقاتل لضرورة حيازتهم على حرية الحركة، لهم، أو لوكلائهم بين المناطق المتعددة، وهم يملكون صلات متينة مع أسياد المناطق الأخرى، تتصل بشراكات فرعية أو عبر إتاوات متفق عليها لتمرير البضائع. أما الصنف الثالث فهو الأكثر تجذرًا، إلى الطبقة الجديدة من أمراء الفساد المكرسين قبل الحرب.

استفاد بعض رجال الأعمال السوريين، من الحرب الدائرة منذ أكثر من سبع سنوات، لتحقيق ثروات ضخمة، من الحصار المفروض على بعض المناطق لبناء إمبراطوريات اقتصادية. وخلال فترة الحرب في سورية؛ ظهرت عمليات فسادٍ كبيرة، كصفقات بيع الأسلحة لطرفَي النزاع أو استنفاد موارد الدولة من قبل العصابات. وفي غياب مؤسسات سياسية فاعلة تزاول الرقابة والمحاسبة؛ تفشى الفساد وازداد في ظل تحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب، حيث تحول الكثير ممن يسمون أنفسهم “رجال أعمال جدد”، إلى رجال أعمال يصرفون جلّ اهتمامهم إلى البحث عن طرقٍ وأساليبَ، تمكّنهم من زيادة حجم ثرواتهم، حيث انتشرت ظاهرة “بارونات الاقتصاد الموازي”.

يشكل الفساد منظومة كاملة ومتكاملة، وقد أسهم في الإثراء غير المشروع، وأحدث في السنوات القليلة الماضية حالةً من الاحتقان الاجتماعي. وما سلِمَ حتى الآن من نار الحرب يعبثُ به الفاسدون في مؤسسات الدولة وتجار الحرب، لينحدر الاقتصاد من سيئ إلى أسوأ.

وكما أن الفساد يعدّ محركًا للصراع؛ فإنه يغذي أيضًا الصراع نفسه. ففي تحول القضية السورية في حالات كثيرة إلى قضية لاجئين ونازحين، تورط الكثيرون في سورية في تجارة المساعدات الإنسانية المقدمة للشعب والاستفادة منها ماديًا، في وجه آخر من أوجه الفساد الذي تعانية البلاد، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وعيش ملايين السكان تحت خط الفقر. إن الأموال الدولية الضخمة المرصودة للاجئين والنازحين السوريين، فتحت شهية بعض النافذين لتحول الملف السوري إلى دجاجة تبيض ذهبًا، ليساهم في استمرار الصراع.

إن مكافحة الفساد تتطلب إرادة دولية جادة وحقيقية للتغيير والإصلاح للخروج من المؤسسات الفاسدة. ويحتاج الفساد إلى منهجية وتخطيط ومتابعة وتكاتف جهات مختلفة وعديدة في المواجهة، وخاصة أن حجم الفساد أكبر بكثير من القضايا التي يتم الكشف عنها.

يجب تعزيز مشاركة المجتمع المدني وحماية الناشطين للتبليغ عن قضايا الفساد. ومن خلال ما سبق، يلزم تكاتف جميع الجهود على مختلف المستويات لاتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة الفساد، ومن بين هذه الإجراءات إجراءات إدارية وحكومية، وإجراءات مدنية يقوم بها المجتمع المدني والإعلام، وإجراءات اقتصادية وكذلك أمنية ورقابية، ويضاف إلى ذلك ضرورة التنسيق الدولي بين الدول والجماعات والمنظمات الدولية؛ لمواجهة الفساد الدولي الذي يدعم الفساد المحلي والإقليمي.

إن الفساد أعقد مما نتصور، وهو يتجاوز الحدود الجغرافية لمنطقة محددة، ولذلك نؤكد على أهمية الإسراع في إيقاف الفساد، ولن يتم ذلك إلا بالقضاء على مسببات الفساد، وتعزيز الرقابة الدولية والشعبية والمجتمعية على عمليات الإغاثة الإنسانية، بما يؤدي إلى تعزيز النزاهة والشفافية، وإيقاف أي انحرافات لعمليات الإغاثة الإنسانية، لتعزيز ثقة المانحين والمستفيدين من الإغاثة الإنسانية، وتشجيعهم على توسيعها.

الفساد يتفشى في الكتمان والسرية، ويتعرى ويتوقف عند الشفافية والإعلان، ولتحقيق مكافحةٍ إيجابية للفساد، يجب أن يتم تعزيز الشفافية وإعلان جميع الإجراءات الإدارية والمالية لأموال وإمكانات الشعب، وإيقاف أي تسريب لها، وإغلاق الثقوب السوداء التي تبتلعها بصمت.

الدرس المستفاد من كل تجارب مكافحة الفساد في العالم يركز على أهمية تغيير جدول أعمال مكافحة الفساد، فلن نحقق أي نجاح باستخدام الأساليب المستخدمة في العشرين عامًا الماضية. هناك حاجة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نكافح بها الفساد. الأدوات التي تعامل بها المجتمع الدولي لم تكن مجدية بالشكل الذي توقعناه منها؛ فهي لا تعمل إلا في ظل ظروف اجتماعية معينة. لذلك يجب علينا الابتعاد عن التفكير في مكافحة الفساد، باعتباره مخططًا يمكننا تطبيقه في أي مكان. يلزم تعديل الحلول وتكييفها لتناسب ظروف كل حالة على حدة، لا نحتاج إلى مزيد من اللوائح والبرامج الدولية، لكن نحتاج إلى لوائح ذكية تناسب الظروف المحلية.

الحرب على الفساد

سيكون الفساد التحديَ الأكبر والأهم الذي سيواجه سورية في المستقبل، حيث إنه يشمل معظم الجهات السورية ومن ضمنها المجتمع المدني والجمعيات الأهلية. وستكون الحرب المقبلة ضد الفساد والفاسدين واسعة، ويجب أن تشمل أي استراتيجية مستقبلية لمكافحة الفساد إجراءاتٍ ضدّ كل من تورط في قضايا الفساد: سياسيين، أحزاب، زعامات، شركات، رجال الأعمال، وكل من تورط فيه.

إن إعادة الإعمار مستقبلًا ستواجه عقبات كبيرة؛ إذا لم تتمكن سورية من لجم الفساد وزيادة شفافية وكفاءة الجهات التي ستعمل مع الجهات المانحة، على تنفيذ برامج إعادة الإعمار. ويقول الخبراء إن مفتاح المساهمة في إعادة الإعمار مستقبلًا يكمن في اختيار كفاءات إدارية مستقلة، بمعايير عالمية، للإشراف على العملية، من أجل فرض الانضباط في آلية صرف الأموال، ومنع تسربها إلى شبكات الفساد التي تخترق جميع المؤسسات والجهات.

[1] تقرير منظمة الشفافية العالمية، مؤشرات مدركات الفساد لعام 2017:

https://www.transparency.org/news/pressrelease/2017_Corruption_Perceptions_Index_Press_Release_AR

[2] المرجع السابق.

[3] ازكيوح عبد المالك، لماذا عجزت الدولة عن محاصرة ظاهرة الفساد الإداري والمالي؟ هسبيرس ، 2014

[4] مركز كارنيغي للشرق الأوسط، الفساد، الخطر غير المدرك على الأمن الدولي، حزيران 2014

[5] حداد وجيه، “الاقتصاد السوري، من أمراء الفساد إلى أمراء الحرب”، مركز حرمون للدرسات المعاصرة، كانون الأول 2017.