تحقيقات وتقارير سياسية

اللجنة الدستورية ولعبة تبديل القبعات

منذ انطلاق أول جولة للمفاوضات بين النظام السوري والمعارضة، برعاية دولية أو روسية، ومنذ اختبار أداء النظام لحظة اشتعال الثورة؛ حدثت أمور كثيرة، كشفت الأوراق والأقنعة والتزييف الغربي، والعربي الدائر في فلكه، الذي طالما تحدثنا عنه حتى اتّهمَنا محافظو الأسد الجُدد، من لوبياته على الساحة العربية، بأننا نُغالي في وصف واقع السوريين، كجزء من المؤامرة التي ننتمي إلى دائرتها، ونحن نراقب أخبار التحضير للجنة الدستورية، التي أعلن دي ميستورا عزمه إجراء مشاورات بشأنها، في جنيف، تشمل معظم اللاعبين المحليين والدوليين بالقضية السورية.

تختص مشاورات المبعوث الدولي بـ “البحث في اللجنة الدستورية المبتكرة من اجتماع سوتشي، لوضع تصور سياسي، قاعدته دستور جديد يمهّد لإجراء انتخابات”. كتابات وتصريحات كثيرة روّجت لها موسكو مع دي ميستورا، حول تلك اللجنة، كان بعضها بفعل التذبذب والنرجسية والارتجاف، وبعضها بفعل استهبال العقل، أرادت لنا أن نفهم أن ما يجري التحضير له هو مرحلة جديدة، تعني فعليًا تغييرًا في سورية المستقبل، لكن طالما أن هناك غموضًا حول تلك اللجنة، يغوص في “تفاصيل”، تحدث عنها وزير الأسد “وليد المعلم” قبل ستة أعوام، عن فهلوة نظامه بإغراق العالم في التفاصيل؛ فسيغرق التزييف العربي والغربي في تفاصيل الأسد.

هل لنا أن نصدق الإسفاف العجيب التالي: إيران وتركيا والولايات المتحدة وموسكو يشرفون على اللجنة الدستورية، و”إسرائيل” لاعب أساس في أي تفاهمات تخص الجنوب السوري، والرعاية الأممية لمناقشات اللجنة الدستورية لا توضح بشكل جلي “مستقبل الأسد”، في أي عملية تغيير قادمة في سورية؟ لنفكك هذه المعادلة المعقدة حتى لا نبقى جهلة الإعلام المُجهل، وليس المجهول؛ لقد أفصح الموقف الغربي والأميركي والأممي الذي تقوده أميركا وروسيا، بكل بساطة، عن نفاقه في حملةٍ تستهدف بالفعل الشعب السوري وثورته التي قادها منذ سبعة أعوام، بخطاب قائم على دعامة النظام في دمشق: “إما الأسد أو نحرق البلد”. خطاب قام على النهب والدمار والتعفيش وملايين الضحايا، باعتبار سورية مطية ومزرعة يعِد مالكها الأسد الصغير بتغييرات تشمل مناقشة الدستور، لأنه متيقن أن الوظيفة والدور قائمان برعاية دولية.

على كل الأحوال، حين تفقد الجهود الدولية صدقيتها نحو الضحايا السوريين ومعاناتهم، وحين تتضح الشراسة والخوف على مصير وظيفة الأسد في المنطقة؛ سيعرف الشعب السوري -عندئذ- كذبة اللجنة الدستورية والسيادة الوطنية التي تُشرك كل الدول المذكورة أعلاه للبحث في دستور.

يعجز النظام في دمشق عن الاعتراف بفشله وهزيمته الأخلاقية والسياسية حيال الشعب والمجتمع، وتسويق أن جهودًا تُبذل لبحث اللجنة الدستورية المزعومة هو بحد ذاته عار، طالما أنها تُبحث برعاية الأسد الصغير في دمشق، القلِق على دوره، في وقتٍ لم يعِد أحدٌ في أميركا و”إسرائيل” وطهران وموسكو وأي عاصمة غربية، بإعادة تسويق “الأسد المتغير”.

في النتيجة؛ مهما تكن ادعاءات دي ميستورا، أو موسكو وغيرهم، بأن نقاشات اللجنة الدستورية يمكن أن تحقق قفزة؛ فإنها لا تُحدث صدًى إلا في عقول وأدوات طفيلية، معارضة وغير معارضة، لكنها مُدجنة، لأن الأمر كله يعود إلى افتضاح كارثة وصول أمر “الطبطبة” على كتف المجرم في دمشق، بهذا المستوى المنحدر بشكل يومي للعبة تبديل القبعات، للالتفاف على مطلب السوريين الأساس في الحرية والديمقراطية، وإطلاق مسميات عليها من جنيف وسوتشي إلى أستانا. وكل لحظة يمارس فيها الأسد فعل القتل والتنكيل والقهر بالسوريين، هي للقفز عن هذه المطالب.

أيّ لجنة دستورية، وأي مفاوضات محلية أو إقليمية أو دولية، تدّعي حرصها على سورية وشعبها وتأمل أن يكون للسوريين مستقبلٌ يبني فيه أبناؤهم مواطنتهم على أسس سليمة، ولا تشمل إسقاط الأسد ومحاكمته عن جرائم الحرب، فلن يكون لها أي مستقبل، ولن يكون للشعب السوري دستورٌ يقوم على الحرية والمواطنة، بعيدًا من هذه الحقائق التي أسقطت قبعات لم تجد لها رؤوسًا تحملها، لا في لجان دستورية ولا في ادعاءات النصر والهزيمة في سورية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق