مقالات الرأي

الخيارات القاتلة لإيران – ضعف الدولة وقوة السلطة الثيوقراطية

يبدو أن حالة عدم الاستقرار مستمرة في العاصمة طهران، منذ أعلن الرئيس الأميركي انسحابه من الاتفاق النووي معها، وتحديدًا بعد أن وضع وزير خارجيته مايك بومبيو استراتيجية سياسية جديدة تجاه إيران، تقطع مع إرث باراك أوباما، بل تُشكّل نقيضًا له، وجاءت على شكل شروط تعجيزية، يُدرك الجميع استحالة تحقيقها من قبل ولاية الفقيه المعصوم.

فالاستراتيجية الأميركية الجديدة لا تقتصر على الملف النووي الإيراني، على أهميته، وقد تناولته وثيقة بومبيو بثلاثة شروط، فيما أوردت الوثيقة سبعة اشتراطات تتعلق بالنفوذ الإقليمي لإيران ووقف سياسة تصدير الثورة، لما سببته من زعزعة استقرار دول كالعراق ولبنان وسورية وصولًا إلى اليمن السعيد، وأخيرًا بدأت طلائع الحرس الثوري والباسيج تصل إلى سيناء والصحراء المغربية ومن ثم ليبيا، مع ما يرتبط به هذا المشروع من ضرورات تطوير القدرات العسكرية والأمنية، كإنتاج الصواريخ الباليستية وتصديرها إلى “حزب الله” والحوثيين وسواهم من أذرعتها الممتدة في المنطقة، وهو ما تنبهت إليه الاشتراطات الأميركية أيضًا، باعتباره مصدر قلق داخل “إسرائيل”.

أن تُوقف طهران برنامجها النووي آنيًا، أو تبطئ تسارعه، أمرٌ ممكن، غير أن التفكير بإنهاء برنامجها الصاروخي وسحب قواتها من سورية، والكف عن التدخل في العراق، وتوقيف دعمها للمجموعات الإرهابية أمثال “القاعدة” و”حزب الله” وحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، فهو “حلم لن يتحقق إطلاقًا”، كما صرح المرشد الأعلى للثورة، مضيفًا في الذكرى 29 لوفاة الإمام روح الله الخميني: “سنواصل دعمنا الدول المقهورة وقوى المقاومة في المنطقة… ولا تعتزم إيران تقليص دورها الإقليمي”، مشددًا على أن طهران “ستردّ على الهجوم بعشرة؛ إذا هاجمها أعداء”.

رفضٌ قاطع للمساومة على البرنامج النووي أو سياسة التوسع الإقليمي، أو حتى برنامج تصنيع وتصدير الصواريخ الباليستية، لأن قبول هذه الاشتراطات يشكل خيارًا انتحاريًا لنظام ولاية الفقيه الثيوقراطي، كما أسس له الإمام الخميني، حيث نص دستور الجمهورية الإسلامية في المادة (154) منه على “أن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين، في أي نقطةٍ من العالم”.

تمتلك المؤسسة الدينية في طهران مرجعيةً لاهوتية وأخرى دستورية، إضافة إلى خطابها الشعبوي؛ ما يسمح للمرشد الأعلى للثورة بالمضي في قرار استئناف تخصيب اليورانيوم، وهو ما أكده أمين عام مجلس الأمن القومي في طهران علي شمخاني بقوله: إن إيران “لن تقبل تحت أي ظرف إعادة المفاوضات النووية”، وإن الحضور الإيراني في سورية والعراق “استشاري، وتمّ بطلب من الحكومة القانونية، بهدف مكافحة الإرهاب”، وإن “الحرس الثوري جزء من السلطة وذراع الثورة القوية، ومهمته ومهمة القوات المسلحة الأخرى في إطار القوانين وقرارات النظام”. كما تفاخر بدعم الجماعات المسلحة في لبنان وفلسطين، مشددًا على استمرار إيران في رعاية تلك الجماعات، أما بخصوص نزع سلاح ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، فأكد أنها مسألة بيدِ الحكومة والشعب العراقي، فالحشد الشعبي “تحول إلى قوة مسلحة قانونية في العراق، بتصويت البرلمان الإيراني”.

غير أن البعض يجزم “أن هذا الغيم لا يحمل مطرًا”، وأن ملالي طهران لن يمكنهم المضي في مقاومة ما يشبه الإجماع الدولي للحد من برنامجهم النووي وسياستهم لتصدير الثورة، حتى لو لم يكن خيار الحرب العسكرية مع الإدارة الأميركية قائمًا، لكنها الحرب الاقتصادية التي تسير باتجاه التصعيد في أكثر من مستوى، وأضحت فواتيرها فوق طاقة النظام الإيراني على تحملها، وهي حرب أثبتت نجاعتها في انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، دون أن تطلق رصاصة واحدة باتجاهه، كما أنها آتت أُكلها مؤخرًا في جرّ كوريا الشمالية إلى توقيع تفاهمات مع أميركا، تقضي بالتخلي عن برنامجها النووي.

يضاف إلى ذلك أن إيران، بعيدًا من مروحة الاشتراطات الأميركية، باتت تتعرض لضغوط أخرى؛ فحلفاؤها الروس، بضغط أميركي وإسرائيلي أيضًا، يطالبون بسحب كل القوات الأجنبية من سورية، ومن ضمنها القوات الإيرانية والميليشيات الملحقة بها، فيما تستمر “إسرائيل” في حرب غير معلنة رسميًا، أخذت شكل ضربات مكثفة ومتتالية للمواقع والميليشيات الإيرانية في سورية، أحيانًا بالتنسيق مع التحالف الدولي وأحيانًا بشكل منفرد، علمًا أن هذه الضربات تتم بعلم وموافقة الروس باستمرار؛ ما يكشف هشاشة تحالف روسيا وإيران الذي أسس لمسار أستانا التفاوضي في سورية، وبات الإعلام الرسمي في طهران يتناول هذا الموضوع بتوصيفات “الغدر والخيانة”، وهو ما يهدد حقيقة بخسارة طهران كل الاستثمارات التي وظفتها في سورية، حيث وصلت أرقام خسائر إيران وميليشياتها إلى أكثر من 12 ألف قتيل، وأعداد أكثر من ذلك ما بين جرحى ومصابين.

كما باتت التظاهرات الاحتجاجية مشهدًا متكررًا ومألوفًا لآلاف الموظفين الذين لم يقبضوا رواتبهم منذ أشهر، ومن قبض راتبه يُدرك أنه لم يعد يساوي شيئًا كقيمة شرائية، بعد أن وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى أكثر من 8000 تومان، فيما بلغت تكلفة التدخل الإيراني في سورية، في أقلّ تقدير، بلسان المتحدثة باسم المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي مستورا، جيسي شاهين، وفق تقديرات الأمم المتحدة، ما يعادل 6 مليارات دولار سنويًا، وهذا يعني أنها دفعت خلال سبعة أعوام 42 مليار دولار، كحد أدنى.

فيما كشف النائب محمد رضا بور إبراهيمي، رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية بالبرلمان الإيراني، أنه تمّ تهريب نحو 30 مليار دولار، في الأشهر الأولى من هذا العام خارج إيران، وتشير أغلب التقديرات إلى مسؤولية “الحرس الثوري” الإيراني، بهدف تجنب انعكاسات الأزمة الاقتصادية على نشاطاته الخارجية.

وهذا يُسهم في تعميق الشرخ، بين حكومة حسن روحاني التي تستشعر خطورة الوضع الداخلي بالمعنى الاقتصادي والأمني، وبين المرشد الأعلى الذي ضغط داخل البرلمان مؤخرًا لعرقلة وتعطيل مشروع قرار أعدته الحكومة، يهدف إلى الموافقة على انضمام إيران إلى الاتفاقات الدولية، لمنع “غسيل الأموال وتمويل الإرهاب”؛ ما دفع المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، محمد رضا نوبخت، إلى انتقاد هذا التعطيل متسائلًا: هل كانت بعض الأطراف تؤيد غسل الأموال، أم تريد تأمين مصادر الإرهاب لشراء الرصاص لإطلاقه على الناس؟ وفق تعبيره.

ولم يتردد المرشد الأعلى علي خامنئي في اتهام أطراف داخلية، باتخاذ مواقف مشابهة لتلك التي تنتهجها الدول الغربية، بشأن برنامج تطوير الصواريخ الباليستية، الذي وصفه خامنئي بأنه مصدر قوة، وإن لم يُسمِّ تلك الجهات الداخلية، فالإشارة واضحة إلى حكومة روحاني، التي وعدت بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وراهنت على إمكان التوصل إلى صيغة تفاهم مع الأوروبيين، يمكن أن تنقذ من خلاله الاتفاق النووي، وهو ما يشير إلى وجود انقسامات فعلية داخل النظام الإيراني.

يمكننا استعارة مفهوم الدولة الأيديولوجية عند “التوسير”، لفهم هذه التناقضات المستعصية في بنية النظام السياسي الذي أقامته المؤسسة الدينية، ويهيمن على كل مؤسسات الدولة وفق الدستور أيضًا؛ إذ يوضح كيف تمتد الدولة، كجهاز قمعي، إلى حقل الأيديولوجيا، بدءًا من الجهاز الديني والنظام التعليمي والأسري والقضائي، وصولًا إلى النظام السياسي، من أحزاب ونقابات حتى مجالات الإعلام والثقافة والرياضة.

وقد نجحت سلطة الوليّ الفقيه في إيران، في السيطرة على كامل الجهاز القمعي للدولة الدينية، بالمعنى البوليسي والأيديولوجي معًا، وأقامت سلطة ثيوقراطية فوق سلطة الدولة، بالاعتماد على الشرعية الأيديولوجية للطغمة المذهبية، وتاليًا للمرشد الأعلى، لأن مرجعيتها اللاهوتية أقوى وأكثر يقينية شعبوية، من أي مرجعية قانونية أو حزبية أخرى.

مقالات ذات صلة

إغلاق