مقالات الرأي

أكراد سورية ومأزق الجغرافيا السياسية

حصلت في الآونة الأخيرة أربع تطورات مهمة، دفعت القوى الكردية التابعة لـ “الإدارة الذاتية” إلى إعادة قراءة المشهد العسكري في سورية.

التطور الأول تمثل بمعركة عفرين، مع ما عنته من تراجع أميركي تجاه الوحدات الكردية، وهو الأول من نوعه منذ نشوء التحالف بين “قوات سورية الديمقراطية” والولايات المتحدة، ثم جاء اتفاق منبج بين تركيا والولايات المتحدة ليكمل مسار التراجع الأميركي، إلى أن جاء التطور الثالث من البوابة الروسية، مع اتفاق تل رفعت.

أما التطور الرابع فكان إعلان الأسد أن القوات الكردية هي المشكلة الوحيدة المتبقية أمامه، وأن حل هذه المشكلة يكون عبر خيارين اثنين: التفاوض أو الحرب.

هذه التطورات الأربعة، مع غياب رؤية استراتيجية أميركية واضحة المعالم في سورية، كانت كفيلة بإقناع الأكراد بضرورة إجراء انعطافة في التفكير السياسي، وفق منطق الضرورات، وإحداث قطيعة مع المرحلة السابقة التي اتسمت بحالة العمى السياسي، نتيجة الظرف التاريخي الذي منح الأكراد فورةً عسكرية أدت إلى فورة قومية في الوعي.

الموقف الأميركي الذي انحاز إلى تركيا، وإن كان على مستوى جزئي، أقنع الأكراد بأن الجغرافيا السياسية تفرض سطوتها في نهاية المطاف، وهذا ما عبّر عنه أحد أهم الشخصيات السياسية الكردية ألدار خليل، الرئيس المشارك لـ “حركة المجتمع الديمقراطي”، حين قال: “كان يجب على أميركا أن تحسم موقفها وتكون ذات موقف حاسم تجاه تركيا، ولكن قراءتنا للأمور جعلتنا نرى أن الأميركيين لن يتنازلوا عن الأتراك، ولن يضحوا بعلاقاتهم القديمة معهم من أجل مناطقنا”.

وذهب الرئيس المشترك السابق لحزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي صالح مسلم إلى أبعد من ذلك بقوله: إن علاقة التعاون بين الحزب والولايات المتحدة ليست أبدية، وقد تتغير وفقًا للمصالح التي يرى الأكراد أنها تفيدهم في سورية.

أمام ذلك؛ لم يعد ثمة خيار أمام الأكراد سوى الانفتاح على النظام، والتوصل إلى تفاهمات مشتركة، تشكل قاعدة تعاون مستقبلية ضمن سورية موحدة ومتعددة تحقق للطرفين أهدافهما.

لكن الأكراد الذين يعون قوتهم جيدًا بعثوا برسائل غير مباشرة للنظام، فيها من الترميز السياسي ما يكفي، فليس صدفة أن يقول عضو الهيئة الرئاسية لـ “مجلس سورية الديمقراطي” حكمت حبيب: إنه “لا توجد سوى هاتين القوتين (الوحدات/ النظام) من أجل الجلوس على طاولة التفاوض وصياغة حلّ للأزمة السورية، وفق دستور يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات”.

يعني هذا التصريح أولًا أن الأكراد لا يرون في فصائل المعارضة قوة يعتد بها، ويعني ثانيًا أن مصير البلاد السياسي يمكن أن يشق طريقه إلى الأمام، بتعاون هاتين القوتين ثم فرضه على الآخرين، كما يعني ثالثًا أن على دمشق أن تأخذ المطالب الكردية بعين الاعتبار.

بين الطرفين مصالح استراتيجية متقاطعة تجعل التفاهم بينهما أمرًا ممكنًا: النظام يفضل دخول الأكراد في العملية السياسية، بما يحملونه من وزن عسكري يمكن ترجمته سياسيًا، خصوصًا أن الأكراد التابعين لمشروع “الإدارة الذاتية” لا ينادون بإسقاط النظام، وإنما فقط بتعديل منظومة الحكم وأخذ المصالح الكردية بعين الاعتبار، ومن شأن دخول الأكراد في التسوية أن يتم تشكيل كتلة سياسية وازنة، تواجه المعارضة السورية التي تطالب بتغيير النظام وتشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات.

بالنسبة إلى الأكراد، لا يشكل النظام تهديدًا وجوديًا لهم، بمعنى أن النظام قد يقدم تنازلات سياسية لسببين: الأول أن اللامركزية أصبحت مطلبًا أمميًا حتى من قبل الروس، وثانيًا أن التحالف مع الأكراد يحقق له مكاسب كبيرة مقارنة بالعداء معهم.

العلاقة بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و”وحدات الحماية” علاقة مفارقة، وربما تكون التعبيرَ الأفضل عن مفارقات الأزمة السورية.

ارتبط الحزب بعلاقات أمنية/ عسكرية واضحة مع النظام منذ 2012، في حين يرفض أن يكون جزءًا من سياسته، ويرتبط بتحالف واضح مع الولايات المتحدة، بينما يمد جسور التواصل والتنسيق مع الروس والإيرانيين، ويرفض محاربة النظام في حين يقدم نفسه على أنه جزء من المعارضة، وهذا الوضع المعقد سمح للحزب وأذرعه العسكرية بالبحث عن مساراتهم الخاصة، دون الوقوع في مصيدة النظام/ المعارضة.

لكن تحت هذا التحالف يكمن الخلاف العميق بين الجانبين، وظل كل طرف ينظر إلى الآخر على أنه عدو، لكنه عداء مؤجل حكمته ضرورات الحرب: بالنسبة إلى النظام كانت الأولوية محاربة فصائل المعارضة الوطنية التي تمتلك وحدها الشرعية في تغيير الحكم، وبالنسبة إلى الوحدات الكردية فالعدو الرئيس هو الذي يمنعها من بسط هيمنتها في مناطقها.

تغيّرت الآن هذه العلاقة بتغير الظروف العسكرية، وبدأ الأكراد يعيدون حساباتهم مع إدراكهم أن النظام قد يتلاعب بهم، وأن مواقفه سرعان ما تتغير بتغير الظروف، فقبل إعلان الأسد أن “قوات سورية الديمقراطية” هي المشكلة الوحيدة المتبقية، كانت هذه القوات مع القوى الكردية الأخرى حليفة للنظام، وإن بطريقة غير مباشرة، ووصل الأمر في كثير من الأحيان إلى تقديم تنازلات جغرافية للوحدات الكردية.

غير أن الإشكالية القائمة تكمن في طبيعة وحدود التعاون بين الجانبين؛ فالأكراد قد يقدمون بعض التنازلات على الأرض هنا أو هناك، وقد يخفضون من سقف مطلبهم السياسي، لكنهم غير قادرين على منح النظام ما يريد، أولًا لأن تقديم تنازلات كبيرة سيقضي على قوتهم وكينونتهم السياسية التي يسعون لتثبيتها، وثانيًا لأن الولايات المتحدة لن تسمح بتغيير جذري في الخريطة الجغرافية التي جهدت لتحقيقها.

وعلى ذلك؛ فإن أغلب الظن أن الطرفين سيحاولان تمرير الوقت، عبر مفاوضات وحوارات جانبية، إلى حين ينجلي المشهد الدولي في سورية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق