سورية… الأرض اليباب

تعددت “مواجع” السوريين، ولم تعد عبارة السوري “المنهوب” أو “المنكوب” كافية لتصوير واقع المأساة السورية. سورية كلها، منهوبة من بابها لمحرابها، ومنكوبة من عاليها إلى سافلها. وتسمية سورية بـ “الأرض اليباب” ليست مبالغة بلاغية، إذ تبدأ معاناة السوري من تمسكه بـ “كرامته الإنسانية” بوصفه إنسانًا كريمًا، ولا تنتهي مع سعيه للحصول على “كرامة المواطن” المتمتع بحرياته وحقوقه والممارس لواجباته، وتمتد لأخذ دوره الإنساني عالميًا بإسهامه في الحضارة الإنسانية. فهل يحصل السوري على لقمة عيش “كريمة”؟ وهل هو آمن في مسكنه، ومطمئن على ملكية أرضه؟ أليست هذه أبسط بديهيات الحياة؟

نتحدث عن “لقمة عيش” الإنسان، بوصفها ضرورة إنسانية أبعد من ضرورتها للحفاظ على حياته مثل الكائنات الحية الأخرى. نتحدث عن “لقمة عيش” تحفظ حياة الإنسان وتحمي “كرامته الإنسانية”. كيف للإنسان السوري أن يحصل على لقمة كهذه مع هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار المترافق مع صعوبة الحصول على الدخل المناسب؟ وهل يقف السوري على العتبة الدنيا للأمن الغذائي؟

يراوح سعر الكيلو غرام من لحم الخروف في الأسواق من 4000 ليرة سورية إلى 5500 ليرة، ولحم العجل من 3500 ليرة سورية إلى 4500 ليرة، وسعر كيلو الفروج الحيّ من 600 ليرة سورية إلى 850 ليرة، والدجاج النيئ من 900 إلى 1100 ليرة للكيلو غرام الواحد، وارتفعت أسعار اللحوم بنحو 30 بالمئة، في الأسابيع الأخيرة على أبواب فصل الصيف، أما قطع الفروج مثل الشرحات والجوانح والسودة فقد ارتفعت بنسب أعلى قد تصل أحيانًا إلى نحو 100 بالمئة. وصل سعر كيلو سودة الفروج إلى نحو 2800 ليرة سورية، كذلك ارتفعت أسعار الحليب ومشتقاته من أجبان وألبان بنحو 40 بالمئة، ووصل سعر كيلو الحليب إلى نحو 260 ليرة، وسعر الجبن البلدي لنحو 1500 ليرة، وتجاوزت “جبنة الحلّوم” سعر 2600 ليرة سورية، وسعر النوع الجيد من الرز 500 ليرة للكيلوغرام، وبفضل الصيف ارتفعت أسعار الخضار والفواكه بنسب أقل، بنحو 25 بالمئة، ووصلت أسعار الزيتون بين 600 – 800 ليرة.

فكيف يتدبر أمره مَن راتبه نحو 20,000 ليرة ممن لهم خدمة في مؤسسات الدولة تتجاوز عشر سنوات، وكذلك لكبار الموظفين الذين لا يتجاوز راتبهم 35,000 ليرة سورية، أي ما يعادل 85 دولارًا تقريبًا، ناهيك عن ذوي الدخل الأدنى والعاطلين عن العمل، وبعض الحسابات تعطي أرقامًا تستدعي التساؤل: كيف يعيش الناس إذًا.

بعيدًا من الأرقام الكبيرة التي تلقى استغرابًا وتشكيكًا، مثل تقدير المكتب المركزي للإحصاء لمتوسط إنفاق الأسر السورية بنحو 200 ألف ليرة شهريًا، منها 65 بالمئة للغذاء. وفي مسوحات بعض المراكز البحثية عن نفقات الأسر السورية وصل التقدير إلى نحو 320 ألف ليرة سورية. وبعض التقديرات التي لم تعتمد على المسوحات الميدانية، بل اعتمدت على نسب التضخم، توصلت إلى أن حاجة الأسرة تراوح من 275 إلى 290 ألف ليرة. فمن أين ستأتي الأسر بهذه المبالغ؟

لعل المسح الذي جرى منذ عامين، بالتعاون مع منظمة الغذاء العالمية، حول التغذية في سورية و”الأمن الغذائي”، هو الأقرب للتعبير عن الواقع؛ إذ أشارت النتائج الأولية إلى أن هناك 30 بالمئة معدمين غذائيًا، و50 بالمئة قابلين لحالة الانعدام الغذائي، و20 بالمئة آمنين غذائيًا. ولربما يكون الوضع اليوم أسوأ مما كان عليه قبل سنتين.

لا تتوقف المشكلة عند “الأمن الغذائي” بل تمتد إلى “الأمن الإنتاجي”، ففي مطلع حزيران/ يونيو 2018 شرعت مجموعات من عصابات مخابرات الأسد وشبيحته بمصادرة المحاصيل والأراضي الزراعية، في عدة قرى شمال غربي حماة، منها قريتا الصفصافية والتريمسة، حيث جلب عناصر فرع الأمن العسكري الحصادات الزراعية، وبدؤوا حصد المحاصيل الزراعية، وأبلغوا الأهالي أن الفرع سيستولي على الأراضي الزراعية كافة التي يعيش أصحابها خارج قراهم، وأنهم سيطبقون القانون رقم 10 لعام 2018، بذريعة أن مالكيها لا يعيشون في مناطق سيطرة الأسد، وأنهم يعيشون في مناطق سيطرة المعارضة السورية في الشمال.

وماذا عن المسكن الطبيعي الآمن الضروري، وغير الكافي طبعًا، لحفظ كرامة الإنسان؟ في تقرير مؤشر النزوح العالمي لعام 2018 السنوي حول أعداد النازحين في العالم خلال عام 2017، الذي يصدر سنويًا عن مركز رصد النزوح الداخلي في مجلس اللاجئين النرويجي، وصلت حالات النزوح الداخلي الجديدة في سورية المسجلة عام 2017 إلى نحو 2.9 مليون حالة. بذلك يرتفع إجمالي النازحين في الداخل السوري إلى 6.74 مليون نازح. وتحتل سورية المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر النزوح الداخلي. ويأتي العراق في المرتبة الثانية، بفارق كبير، بنحو 2.64 مليون نازح داخلي، والسودان ثالثًا بنحو 2.07 مليون نازح داخلي، واليمن رابعًا بنحو 2.01 مليون نازح داخلي، وهكذا يفوز العرب بقصب السبق في النزوح الداخلي على الصعيد العالمي. وقدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، في تقرير لها، عدد المساكن المدمرة، بشكل كلي أو شبه كلي، خلال سنوات الصراع في سورية بنحو 3 ملايين مسكن، تسبب النظام في نحو 90 في المئة منها، وأشار التقرير إلى “تعمُّد النظام السوري وروسيا لاحقًا، قصف وتدمير أكبر قدر ممكن من المساكن، من دون مبرر عسكري بحسب ما يقتضيه قانون الحرب”، وأشار التقرير إلى “تضرّر نحو 3 ملايين مسكن بشكل جزئي أو كامل في سورية، وأن ملايين السوريين خسروا مساكنهم، وهو ما يعني -بالنسبة إلى معظمهم- خسارة ربع قرنٍ من العمل قضوها بهدف تحصيل مسكن”، وإذا أضفنا إلى مأساة النزوح الداخلي مأساة اللجوء الخارجي؛ فسيصبح أكثر من نصف السوريين منكوبين ومنهوبين، إذ تكاد التقديرات أن تجمع على أن أعداد السوريين في بلدان اللجوء والمنافي تتجاوز 6 ملايين.

يستكمل الأسد بنيته التشريعية لاستباحة الأرض السورية ونهب أملاك السوريين. بدأ بالمرسوم الرئاسي رقم 66 للعام 2012، بذريعة “تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي” في أنحاء سورية، وساهم المرسوم التشريعي رقم 19 الصادر في 30 نيسان 2015 في تيسير إنشاء الشركات القابضة، فهو يجيز للبلدات والمدن إنشاء شركات قابضة خاصة لإدارة الأصول والممتلكات المدينية أو المناطقية، ويشمل المرسوم، في ما يشمل، تشييد البنى التحتية، ومنح رخص البناء، وإدارة المعاملات المالية في البلدات والمحافظات. وستتولّى شركات فرعية، تعود ملكيتها للقطاع الخاص، تنفيذ هذه المهام، ثم أصدر القانونين رقم 3 في كانون الثاني/ يناير 2018 الخاص بإزالة أنقاض الأبنية المتضررة، ورقم 10 في نيسان/ أبريل 2018، اللذين سيفقد بموجبهما مئات الآلاف من السوريين، وربما الملايين، حقهم في ممتلكاتهم. وتحت تلك التغطية القانونية تروج شركة “دمشق شام القابضة”، المنبثقة عن “مجلس محافظة دمشق”، لمشروع يمتد على منطقتين: الأولى جنوب شرقي المزة من كفرسوسة خلف الرازي، وتضم بساتين الصبار والمنطقة خلف السفارة الإيرانية وخلف مشفى الرازي لإنشاء مدينة “ماروتا” على مساحة مليوني متر مربع. وتمتد المنطقة الثانية من الليوان إلى القدم إلى حدود مدينة داريا، لإنشاء مدينة “باسيليا” على مساحة تسعة ملايين متر مربع. وأُعلن عن إنشاء “شركة قابضة” في محافظة حمص أوسع نطاقًا من “شركة دمشق الشام”، تشمل منطقة ممتدة من الحدود اللبنانية إلى الحدود العراقية، وهي غنية بالمعادن وغيرها من الثروات الباطنية. وسيكون لحلب والغوطة نصيبها من هذه الاستباحة، ولن تنجو أي بقعة من الأراضي السورية، باستثناء الجولان المحتل الذي سيتعرض للاستباحة من أطراف أخرى، غير الأسد والإيرانيين والروس.

كي تكتمل عملية نهب سورية “من الباب إلى المحراب”، يقود السيناتور الجمهوري تيد كروز، والعضو الجمهوري في مجلس النواب رون ديسانتس، مجموعة من أعضاء الكونغرس الأميركي؛ لتكريس سيادة “إسرائيل” على هضبة الجولان السورية المحتلة، وتطبيق الاتفاقات التجارية بين واشنطن وتل أبيب في الجولان. وحسب القانون الدولي، يُعدّ الجولان أرضًا محتلة يسري عليها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 لعام 1967، الذي ينص على ضرورة انسحاب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها في ذلك العام. ولا تعترف الأمم المتحدة بضم “إسرائيل” للجولان في كانون الأول/ ديسمبر 1981. ويقوم مشروع الخطة الأميركية الراهنة على توفير ميزانية لمشاريع أميركية إسرائيلية مشتركة في الجولان، وتوسيع الاتفاقات، بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، لتشمل الجولان، مثل اتفاقية التجارة الحرة، ووسم المنتجات المصنوعة في الجولان بأنها “صنعت في إسرائيل”. كما تتضمن الخطة صياغة وثائق من الكونغرس تنص على أن هضبة الجولان لن تعود إلى سورية، بزعم سيادة “إسرائيل” عليها. وتقول مسودة إحدى هذه الوثائق: “في ظل التغييرات التي طرأت على الأرض، بما في ذلك توسع النفوذ الإيراني في سورية ولبنان، فليس من الواقعي توقع انسحاب إسرائيل من الجولان”.

ماذا يستهدف الأسد من كل تلك الاستباحة لأملاك السوريين؟ إنه لا يخفي نيّاته فهو القائل في تموز/ يوليو 2015: “سورية ليست لمن يسكن فيها أو يحمل جنسيتها، بل لمن يدافع عنها ويحميها”. يكفي إزاحة التورية الديماغوجية الخبيثة لتُقرأ العبارة: سورية لمن يدافع عن “كرسي” الأسد ويحميه. وخلال مؤتمر وزارة الخارجية والمغتربين في 20 آب/ أغسطس 2017 يقول: “خسرنا خيرة شبابنا والبنية التحتية، لكننا ربحنا مجتمعًا أكثر صحة وتجانسًا”. كرّر “نظريته”! غير مرة. سبق له أن قال في إحداها: “النسيج الاجتماعي في سورية هو اليوم أفضل بكثير من قبل”. أليس هذا تطبيق للطرفة الشهيرة: عندما سئل الطاغية عن تعريف الديمقراطية؛ أجاب: “الديمقراطية هي أن تختار شعبك بنفسك”. فها هو الأسد يُزمع أن يختار شعبه بنفسه. فهو سيفرز من هو السوري ومن هو غير السوري، وعلى ضوء هذا الفرز؛ يقرر نزع ملكية السوري المطرود من نعيم الأسد ليهبها للإيراني الداخل إلى جنته. فأي تصنيف لهذه الجرائم؟ وماذا عن سكوت العالم عن هذه الفاشية في القرن الحادي والعشرين؟!

* الأرض اليباب هي التي انحسر عنها المطر فلم تعد تنبت زرعًا، فاذا جاءها المطر عاد إليها الزرع والنماء.