هل يمكن استعادة القرار الوطني؟

(إن لم تكن قويًا لا يحترمك الآخرون) تلك قاعدة عامة، وهي في السياسة أساس، حيث إن البلدان الضعيفة، أو التي تُسلّم قيادها للغير، وتحتاج إليهم في الإنتاج ولقمة العيش وفي القضايا الوطنية وفي الدفاع عن سيادتها وأراضيها، لا يمكن أن يكون لها قرار مستقل، مهما رفعت من شعارات وأطلقت من رايات وأهازيج وأغان، وهو حال جلّ الدول العربية التي يعتمد اقتصادها وسلاحها على الآخر المتقدّم، بينما لم تنجح في الخروج من شرنقة التبعية.

استقلالية القرار الوطني حالة نسبية، حتى لدى الدول العريقة المتقدّمة صناعيًا، في عالم التزاحم والتطور التقني والسلاح والإبداع، فكيف به لدى الدول النامية أو المتخلفة أو تلك العاجزة عن بناء اقتصاد يقوم بالحد الأدنى على متطلبات شعوبها؟ والحقيقة أن الوضع العربي، مع سقوط ذلك المشروع النهضوي الوحدوي بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وتكريس الدولة القطرية المنهوشة داخليًا؛ أصبحت جلّ بلدانه ملحقةً بالغرب، وأكثرَ حاجة إليه وانصياعًا لإرادته وقراراته، وتجلى ذلك صريحًا بعد غزو واحتلال العراق، وتغوّلِ المشروع الإيراني الذي يهدد باحتواء الوضع العربي والهيمنة عليه.

يصعب جدًا الوصول إلى قرار وطني مستقل بمعنى الشمول، حيث إن الأمور نسبية، لكن هناك حدودًا دنيا يجب توفرها، وإلا؛ فقدَت البلاد أبسط مقومات وجودها، وهو حال سورية اليوم.

اشتهر نظام الفئوية والاستبداد، على مدى عقود حكم الطاغية الأكبر، بالمقايضة مقابل البقاء، والمقايضة تعني المساومة على مختلف القضايا الوطنية والقومية، ووفق ذلك تمتع ببعض النفوذ في الجوار، خاصة في لبنان، وبضمان استمراره، وفق معادلة الحفاظ على الحدود آمنة مع فلسطين المحتلة، والعمل على خلخلة الثورة الفلسطينية من داخلها وإضعافها.. لكنه مع ذلك حاول الحفاظ على نوع من الاستقلالية، وإن كانت شكلية، في علاقاته مع الدول الخارجية، وفق قوانين العرض والطلب.. أما وريثه المفروض فكان أكثر رخاوة في تعامله مع إيران، بفتح جميع الأبواب لها وصولًا إلى القصر الجمهوري، والقرار الوطني، وحين حاصرته الثورة السورية بسلميتها المطالبة بالحرية والكرامة، ثم من خلال المواجهات المسلحة؛ اتجه نحو الاستنجاد بالخارج، بدلًا من الاستجابة لإرادة الشعب، فكانت إيران حاضرة، وهي تفاخر بتبجح بأنها هي مَن منع انهياره، وأوقف سقوطه، بدءًا من نهاية عام 2012 وما تلا ذلك، وحضرت الميليشيات الحاملة لمشروعها الطائفي؛ كي تحاصر شعاراته الكاذبة، وتنقل سورية إلى نوع من الحرب الأهلية، كان النظام يفقد فيها سيطرته على البلاد، وتحافظ على سيادتها، وفقدان القرار الوطني، وقد تفاقم الوضع أكثر، وتجلى ذلك باستقدام الاحتلال الروسي الذي تفاخر أيضًا بأنه هو الذي منع سقوط النظام وليس إيران، وهذا صحيح بالنسبة إلى المرحلة التي مارس فيها سياسة الأرض المحروقة، وحقق الانتصار في حلب، وما تلا ذلك، في حين عجزت إيران عن منع المعارضة من توجيه ضربات مؤلمة لها ولميليشياتها وللنظام الذي كان على وشك الانهيار.

هذه التدخلات المتلاحقة التي توشجت بإنشاء قواعد عسكرية، وقوات عسكرية سورية تابعة للحرس الثوري الإيراني، وفي عقد اتفاقات طويلة المدى مع روسيا ومنحها حقوقًا تخلّ بالسيادة الوطنية، أنهت تمامًا أي امتلاك للقرار الوطني، وفتحت الأبواب واسعة لتدويل القضية السورية، وباتت روسيا هي المتحكمة بالوضع، وهي التي تفاوض قوى المعارضة المسلحة، وهي الوصية على النظام، بالرغم من أنها تكثر من تصريحات محدودية تأثيراتها عليه، وإجباره على الانصياع لشروط الحل السياسي والقرارات الدولية.

على الصعيد الخاص بالمعارضة السورية، قبل تحميل الخارج مسؤولية تدويل الوضع، وإبعاد المعارضة من القرار، وقبل تموضع مناطق النفوذ وصراعها وتنافسها، وانسحاق العمل المسلح وعقد مصالحات أقرب للاستسلام، يجب الاعتراف بأن المعارضة -بهيئاتها السياسية والمسلحة- تتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية في وصول الأمور إلى هذا الوضع، حين انساقت، على مدار السنوات، في انتهاج سياسة بعيدة من الشعب، وحين ارتبطت معظم الفصائل العسكرية بالجهة الممولة، وأصبحت غرف (الموم) و(الموك) هي الممول والموجه، وصاحب التعليمات التي تُفقد تلك الفصائل حرية القرار، وتسجنها في زنازين الآخرين.

الائتلاف مسؤول لدرجة كبيرة عن الخلخلة في فقدان القرار الوطني، بدءًا من عجزه عن تأمين موارد تمويله من السوريين، وصولًا إلى الرهانات على الخارج في فرض حل سياسي ما، بينما كان يفقد وزنه ومشروعيته على الأرض، وعلى الرغم من أنه لم ينصَع، في حالات كثيرة، لقرارات وضغوط خارجية، وظلّ متمسكًا بثوابت الثورة، فإن ضعف الأوراق التي يملكها النابعة من وجوده الفعلي بين الشعب، ومع العمل المسلح، يضع شعارات الاستقلالية في جعبة نظرية تبدو خاوية المفعول، وتدفع القوى الدولية إلى محاولات تجاوزه، أو تهميشه، أو إضعاف دوره كممثل للثورة، وهو ما حدث في (الرياض 1)، و(الرياض 2).

الآن هناك فرص وأبواب مفتوحة للعمل على استعادة شيء من القرار الوطني، أساسها التواجد على الأرض، على الأقل في المناطق المتاحة التي تقع ضمن النفوذ التركي، وفي عدد من المناطق الأخرى: الجزيرة والفرات وإدلب، ولدى الائتلاف توجهات فعلية للانتقال إلى الداخل، ولو بشكل جزئي، والبحث عن موارد سورية متوفرة تحتاج إلى وضع الخطط العملية، وتقوية وتوسيع الحكومة المؤقتة، ووحدة تنسيق الدعم، والاستمرار في بناء الجيش الوطني الحر بمهنية، ووفق استراتيجية جديدة تتواءم والمتغيرات، والمتطلبات، بما في ذلك تغيير الأسلوب السابق في العمل العسكري، والانتقال إلى أشكال من المقاومة تتجاوز هذا الجانب إلى عموم الميادين، وفي المقدمة منها إحياء روح الثورة السلمية، والابتعاد عن الأدلجة وتلك الأسلمة الموجية التي شوّهت الثورة، وأفقدتها الكثير من حاضنتها الشعبية، ومن سمعتها في الرأي العام العربي والدولي، والاهتمام بعلاقات مستمرة مع فعاليات وقوى الشعب، ومنظمات المجتمع المدني والأهلي، وتنهيج التحركات والعلاقات الخارجية، وقد اتفقت قيادته على وضع استراتيجية التحرك القادم، وخطة العمل بأمل أن تجد تجسيدها، وفق متغيرات كبيرة متماوجة، لكنها تضع الشعب السوري في موقع الدفاع عن النفس، والحفاظ على وحدة البلاد السياسية والجغرافية والمجتمعية، والعمل وفق دروس التجارب المريرة التي تؤكد على محورية الاستناد إلى الداخل.