تحقيقات وتقارير سياسية

“اللجنة الدستورية” ونهج المصالحة

هدوء تام على جبهة مفاوضات جنيف، كأنه لا أثر ولا عين لجولة جديدة من المفاوضات، ولا حديث سوى عن “اللجنة الدستورية” وأحوالها، ومن خلفها رشقنا بمزيد من “التسريبات” عن قادم يتمحور حول تحويل “سوتشي” إلى مسار متكامل.

هدوء مقصود، ودي ميستورا اللاعب على جميع الحبال، الذي يُناور مع جميع الأطراف، فيعطي من يجتمع معه شيئًا من حقن تعاطفية، بينما تصبّ مياهه هذه الأيام، وربما من وقت طويل، في المجرى الروسي.. قناعة، أم انتهازية للبقاء في موقعه، بعد أن راجت معلومات عن الحرج الذي يواجهه الأمين العام للأمم المتحدة في التجديد له، أو اختيار بديل، خصوصًا أن العملية السياسية متوقفة عمليًا، والوسيط الدولي لم ينتج شيئًا ملموسًا سوى أفكار متنقلة، لم تقدّم الكثير للمهمة الرئيس المكلف بها.

هدوء على تلك الجبهة، و”حركشات” على جبهة “اللجنة الدستورية” وأحوالها، وبثّ حكايا عن قادم يكتنفه الضباب، والتكتيك.. ودي ميستورا يقوم بجولة واسعة قال إنه بدأها بتركيا، باعتبارها دولة مركزية في الحركة السياسية وفي تشكيل “اللجنة الدستورية”.

رئيس الائتلاف، ورئيس هيئة التفاوض، وعضو في الهيئة، التقوا قبل أيام مع دي ميستورا في تركيا، وعرض لهم كمًّا من المعلومات التي تبدو متداخلة، ومتناقضة، بين أهمية تشكيل “اللجنة الدستورية”، وتفاصيل مواقف الدول الضامنة، والقوائم المطروحة، ودور الأمم المتحدة في اختيار الأسماء من “بحيرة” القوائم، وبين الطلب من المعارضة التريّث في إعداد قائمتها الخاصة، و”النصيحة” بالتنسيق اللازم مع تركيا.

“المعلومات” تقول إن بوتين، في لقائه مع الأسد، ضغط عليه للتجاوب مع تشكيل اللجنة، وتقديم قائمة، فقام النظام بذلك. سلّمها لكل من روسيا وإيران، ثم إلى الأمم المتحدة التي اتهمها بتسريب تلك الأسماء، ونفي الأمم المتحدة القاطع لذلك الاتهام، وتفسيره بأنه بعض تكتيك النظام للفت الأنظار، ولخبطة التوقعات.

“الحصص” تقول إن حصة الدول الضامنة هي 50 لكل منها، وإن قائمة إيران ستكون من المحسوبين على النظام، بينما تريد روسيا التنويع بين من هم مع النظام، ومن تعتبرهم معارضة قريبة منها، وتوليهم أهمية خاصة وتريد أن تكون حصتهم وافرة، وأن يكون ثقلهم كبيرًا، كنوع من عقوبة للائتلاف وهيئة المفاوضات السورية جرّاء مقاطعة لقاء سوتشي. وإن تركيا تواجه حرجًا في هذا الجانب بين ترشيح أسماء كانت موافقة على حضور سوتشي، وأخرى تعدّ ركنًا رئيسًا في المعارضة، وهي تعزز لقاءاتها بهيئات المعارضة وصولًا إلى توافقات كبيرة معها.

على الرغم من تكرار الكلام عن وجود خلافات وتباينات بين الدول الثلاث الضامنة، حول القوائم، والمرجعية، ودور الأمم المتحدة التي تصرّ على أنها هي المرجعية النهائية، وهي التي ستقوم باختيار العدد المطلوب من تلك القوائم وبحدود 45 – 50، وأنها هي من سيحدد أسماء المستقلين من داخل القوائم أو خارجها؛ تتواتر أنباء متلاحقة عن تحويل سوتشي إلى ممر مرحلي وحيد للتسوية السياسية، وهو ما يبثه دي ميستورا بشكل مناور، وكأنه مجرد تقدير من قبله، أو توقع منه، وأن سوتشي 2 و3 أيضًا سيُعقدان قريبًا.

الجديد في هذه الأخبار المتفرّقة، وغير الرسمية، أن اللجنة الدستورية لن تُشكّل قريبًا، كما تشير المعلومات الرائجة على السطح، وأن مؤتمرًا قادمًا في سوتشي، وربما في مكان آخر (أنطاليا مثلًا) سيقوم باختيار الأسماء من بين قوائم المرشحين، وأن العدد يمكن أن يصل إلى 168 مشاركًا، هم حصص الدول الثلاث الضامنة، إضافة إلى 18 اسمًا ترشحهم الأمم المتحدة من المستقلين، وفي هذه الحالة، سيصبح هؤلاء بمثابة برلمان، أو مؤتمر وطني يمنح “اللجنة الدستورية” المشروعية، ويكون مرجعيتها، وقد يتولى هو إقرار مشروع الدستور الذي ستنتهي اللجنة الدستورية من إعداده.

يصرّ النظام حتى الآن على أن تكون حصته في القوائم هي الأعلى، وأن يكون دستور 2012 هو المرجعية الوحيدة التي يجب نقاشها في اللجنة الدستورية، وليس إنشاء دستور جديد، وأنه قد “يقبل” بعض التعديلات الطفيفة عليه، ويلقى هذا الأمر تأييدًا إيرانيًا مطلقًا ونوعًا من القبول الروسي، واحتجاجًا تركيًا صريحًا.

الأهم من ذلك كله أن عملية سوتشي، أو هدفها الرئيس، يجب أن تنطلق من أن تكرّس مصالحة شاملة بين النظام والمعارضة. والروس في لقاءاتهم الرسمية مع المعارضة يؤكدون دومًا على تمسكهم باسم الدولة السورية الراهنة وشرعيتها، والعَلَم، ورئيس النظام، وأن على الآخرين القبول بهذه “الحقيقة” كأمر واقع، وكشرط للمشاركة في لقاءات قادمة كسوتشي، وإلا؛ “فليبحثوا عن أمكنة أخرى”.

إذًا، بيان (جنيف 1)، والعملية الانتقالية المتدرجة، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي صفحات مطوية لا مكان لها في تطورات الوضع السوري، وخسارات المعارضة المتتالية، وأن المصالحات التي كانت روسيا عرّابها والمشرف عليها هي ناجحة، ويمكن أن تكون قاعدة ومنطلقًا لمصالحة شاملة، وهذا يقتضي من الهيئات التي قاطعت سوتشي أن تعيد النظر بموقفها باتجاه القبول به وبنتائجه… وإلا.

وإلا… هو تحد جديد، وثقيل أمام المعارضة حيث تضيق الخيارات، بينما المواقف الدولية الأخرى تميل نحو القبول بالدور الروسي وتفاصيل هذا المشروع، وتكريس بقاء النظام ورأسه، واعتبار الانتهاء من الدستور الخطوة الأساس لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قادمة. أي طيّ الملف السوري عند هذا المستوى. بينما يلف الصمت الموقف الأميركي سوى من تصريحات ملتبسة، ومتقطعة.

مقالات ذات صلة

إغلاق