أدب وفنون

“خبير جماعات إسلامية”!

قال لي محدّثي، وهو صحفي في واحدة من كبريات صحف العالم، إن سورية أصبحت منذ بداية عام 2012 مختبرًا كبيرًا للسوريين أولًا، ثم للعالم وأزماته ثانيًا؛ فكل دولة، عندها مشكلة مستعصية على الحل، تنقلها إلى سورية وتجرب إيجاد الحلول لها. فمثلًا، روسيا استخدمت الأرض السورية والشعب السوري لتجريب أسلحتها، واستعادة هيبتها المفقودة عالميًا. وأميركا استخدمت الساحة السورية لتصفية موضوع “النووي الإيراني”، والسعودية والأردن ودول الخليج شجعت الفصائل العسكرية السورية على استخدام السلاح، كي يرد نظام الأسد بوحشيته المعهودة؛ فيقتل ويدمر ويسحق ويسجن ويخطف ويُهجّر، إلى أن بلغ عدد المهجرين داخليًا وخارجيًا، أكثر من نصف الشعب السوري، فكان ذلك درسًا وعبرة لشعوبهم. هذا عدا عن خبراء المجازر الجماعية، والتهجير المنظم، وأحلام إيران وتركيا باستعادة مجدهما الإمبراطوري، على حساب الشعب السوري.

كل ما سبق هو نوع من “المقدمة الطللية”، يعرفها القريب والبعيد، فلماذا أكررها، هنا، أيضًا؟

إنها محاولة ساذجة لربط النتائج بمقدماتها، وتماهيًا مع القائد “الإخواني” ملهم الدروبي، الذي تساءل عن إنجازات “العلمانيين” في الثورة السورية، وربما يكون على حق، في ذلك التساؤل، لو أنه عممه أكثر، وتساءل عن دور الشعب السوري في الثورة! إلا إذا كان يعتبر السوريين كلهم “إخوان”، ومن حقه، عندئذ، البحث عن الهوية السياسية لسورية المفيدة “إخوانيًا”، على غرار ما فعله ابن الأسد، في “سورياه” المفيدة “علمانيًا”. والواقع أنني لا أتجنى على السيد الدروبي، عندما أقول عنه: إنه يرى كل من هو غير “سني” عبارة عن توابل ترش على الطبخة “السنية”، قبل تقديمها للضيوف “العلمانيين” الأجانب، وهذه خلاصة حوار بيني وبينه في الشهر الثامن، عام 2011. فشخص واحد عن كل طائفة يكفي، لرشه على الطبخة، التي، للأسف، احترقت قبل أن تنضج، ومن الجور تحميل “الإخوان” كلّ أسباب ذلك الحريق، ولكنه مع ذلك طبع “الثورة” بالشحار الأسود!

قال صديقي الصحفي: جرّب السوريون في أماكن لجوئهم، وخاصة في تركيا، كل أنواع النشاطات الإغاثية والمجتمعية والسياسية والإعلامية، حتى البحث، أحيانًا، عن السلاح والنساء، ولكن آخر الصرعات هي مكاتب “خبراء الجماعات الإسلامية”. يُعلن الناشط “الفلاني” أنه خبير في تكوّن الجماعات الاسلامية، وأماكن تموضعها، وقياداتها، وفكرها ومصادر هذا الفكر، ثم ينتظر “العرض” من جهة ما، أو من دولة ما، و”يُبازر” على السعر. ودراسة المكتب المختص أو الناشط المختص، تكون من حصة الجهة التي تدفع أكثر عادة. وهكذا أصبح عنوان “خبير جماعات إسلامية” شغل من لا شغل له. يكفي أن يعرف نوع الخوف الذي “يركب” الجهة التي تبحث عن معلومات، وهل هي جادة في “الدفع” أم لا! ولا ينسى خبيرنا المحترم، التلميح إلى معرفته أو على الأقل، إمكانية الوصول إلى الخلايا السرية بعد قهر (داعش)، ونزولها إلى باطن الأرض، وقد ساعده في ذلك تصريح السيد الدروبي الذي شكك في دور العلمانيين السوريين في الثورة، فلما لا يكون خبراء الجماعات الإسلامية من الجماعة نفسها!

أخيرًا، لا بدّ من تذكير، مَن لم يسعفه حسه الفكاهي، ملاحظة نغمة السخرية في المقالة، من القول: إنها مادة ساخرة، وإنْ كانت سوداويتها -أحيانًا- تجعل القارئ يبكي من القهر، فهي في المحصلة انعكاس للكوميديا السوداء التي يعيشها السوريون منذ ثماني سنوات تقريبًا. ومن الصعب جدًا معرفة الحدود بين ما يُبكي وما يُضحك، كما من الصعب معرفة الحدود بين العلماني والإسلامي، ومن منهما أسهم أكثر في “إحباط الثورة”، فهي تشبه إلى حد بعيد القصيدة العربية ومقدمتها الطللية، التي لم نستطع مغادرتها حتى الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق