لِمَ تأخر نقد التيار الانتهازي في المعارضة

أنصار الثورة السورية، والمنخرطون في فعاليتها، من صحافيين وسياسيين ومفكرين، كغيرهم من السوريين الذين أيّدوا الثورة مروا خلال السنوات السبع المنقضية -نتيجة الخسارات المهولة التي أصابتهم- بخبرة إنسانية تشبه إلى حدٍ كبير خبرة من فقدوا عزيزًا عليهم، تملأ هذه الخبرة عمليات نفسية تكون بدايتها الصدمة للفقد، وإنكار حصوله، تتلوها سيطرة حالة من الغضب على من يُعتَقد أنه كان وراء حادثة الفَقد، تعقبها حالة من المساومة -المراهنة- على إمكانية تجاوز تبعات الفقد وآثاره، تنتهي بالفشل والاستغراق في الحزن، وعادة يشتد معها التعبير عن الضعف والمظلومية والارتداد/ النكوص إلى مراحل نفسية مبكرة، يعقبها وقوع في الاكتئاب. وبمرور الزمن يمكن تجاوز هذه الحالة، والدخول في مرحلة التكيّف، ويعني القدرة على استيعاب حالة الفقد، والتهيؤ لتجاوز آثاره. وفي هذه المرحلة يتسم الشخص المتكيف بالفاعلية والمبادأة، وبالقدرة على التحليل والنقد البناء.

إنها عمليات نفسية لا إرادية متعاقبة، في غالب الأحيان، وقد لا تكون متعاقبة، فقد تكون متداخلة يعود بعضها للظهور بعد تجاوزه، وقد يعلقُ بعض الأشخاص في واحدة منها ولا يتمكنون من تجاوزها، كالاكتئاب مثلًا، ويمكن أن يحدث ارتداد إلى حالة سابقة. ولكل عاطفة منها مستويات ودرجات، إنها آليات عصبية – نفسية تهدف إلى حماية الذات من التفكك.

لو عدنا لقراءة ما ينشره اليوم كتّابٌ “سوريون ومعارضون” من مقالات رأي، انطلاقًا من منظار التحليل الآنف الذكر؛ فسيكون السؤال: ما الخلفيات النفسية – العاطفية الراهنة التي تطبع تلك المقالات؟

عمومًا، فقد تجاوزت غالبية المقالات حالة الصدمة والإنكار، وكذلك اختفت حالة الغضب فيها، رغم معاودة ظهوره بين الفينة والأخرى. وكذلك خفتت حدة عواطف المساومة، في مقابل استمرار التعبير عن المظلومية واللوم وظهور روح التبعية والنكوص، كحالة ضعف وشعور بالنقص، يبدو ذلك من خلال استمرار عواطف التعلق بقوى كبرى “قادرة” على مد العون للشعب السوري، أو من خلال الأدعية والرغبة في حدوث معجزة/ات يمكن أن تقلب الموازين لمصلحة المظلوم، وتحقق له العدالة والإنصاف.

وتزدهر اليوم كتابات لا يبدو أن لكتُّابها هدفًا سوى الكتابة؛ فهي تخلو تقريبًا من أي لون عاطفي مألوف. هي كتابات عقيمة تذر الرماد بعيون قراءها وتُغرقهم في تفاصيل جزئياتها، تتناول جميع الأحداث تقريبًا المهمة وغير المهمة، تستمد موضوعاتها من نشرات الأخبار، والأهم من كل ذلك هي لا تقدم أية خلاصات أو استنتاجات مهمة، وكأني بها “كتابات” مستغرقة في متعة ما! من دون أن تكون لها القدرة -أو الرغبة- في الإقلاع عنها؟!

في المقابل، تأخر بزوغ حالة التكيف الإيجابي إزاء الحزن/ الفقد، ولم تولد روح الفاعلية المبادرة والخلاقة، وتأخر ظهور النقد البناء المؤسس على رؤية/ رؤى واضحة: نقد الذات، ونقد الحليف والصديق والشريك، وكذلك سيرورة الأحداث كمنظومة.

لقد بات النقد الجذري ضرورة، في وقتٍ تمرّ فيه الثورة بأخطر مراحلها. حيث يستمر التلاعب من قبل الناطقين باسمها والمفاوضين عنها، الحاضرين في بازارات المساومة عليها. وقد باتت ردّات أفعالهم صريحة ومتوقعة، تجاه ما تمليه عليهم الأطراف المؤثرة: فهم –المخولين بالتفاوض- يرفضون، ثم يساومون، ثم يغازلون القوى الفاعلة، وأخيرًا يُعلنون تنازلهم وموافقتهم، باسم الثورة! هكذا تجري متوالية السلوك الشائن.

لِمَ تأخر نقد التيار الانتهازي في قيادة المعارضة؟ لا بدّ من التعامل معهم باعتبارهم من أخطر قوى الثورة المضادة؛ ما يفرض على القوى الحية أن تتخذ الموقف الواضح منها: نقدها والعمل من أجل التمايز عنها، عبر إيجاد كيان سياسي – أخلاقي بديل.

مَن كان يعتقد بأن الثورة السورية سوف تعيش وتخلد!… فقط لأنها ثورة شعب ضد نظام قاتل وفاسد… هكذا! فهو واهمٌ، لأن الطبيعة والمجتمع لا يتساهلان أبدًا مع أي ظاهرة لا نسغَ يغذيها، ونسغ الثورة يكمن في العمل على حماية مبادئها، وتنميتها كي تبلغ أهدافها.