اقتصاد

الاستحقاق الانتخابي التركي – السياسة والاقتصاد

مع فوز حزب العدالة والتنمية (المنبثق عن حزب الفضيلة الذي تم إغلاقه في آب/ أغسطس 2001)، يوم الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2002؛ دخلت تركيا عهدًا جديدًا مثّل قطيعة مع حقبةٍ اتسمت بعدم الاستقرار سنوات طويلة، إذ كانت حكوماتها تتشكل، في الغالب، عبر صيغ ائتلافية لا تعمّر كثيرًا، فورث هذا الحزب ذو الخلفية الإسلامية غير المعلنة تركةً ثقيلة، تمثلت بمديونية لقرض ممنوح من قبل صندوق النقد الدولي مقداره 26 مليار دولار، وكانت خدمة هذا الدَّين مرهقةً لخزينة الدولة التركية، بينما لم يتجاوز إجمالي الاحتياطي التركي آنذاك 27 مليار دولار. وكان مستوى متوسط الدخل الفردي السنوي للمواطن التركي يقارب 2700 دولار، بنسبة تضخم تقارب 35 بالمئة، أما عدد الجامعات في عموم البلاد، فقد بلغ آنذاك 54 جامعة.

جاء فوز هذا الحزب الجديد، في أجواء يسيطر فيها العسكر على الفضاء السياسي التركي، منذ سنين طويلة (المؤسسة العسكرية دائمًا كانت هي الذراع الأقوى خلال العهد العثماني برمته)، من خلال ادعائهم أن مؤسستهم هي الحارس للعلمانية، ولذا كانت تشهد هذه البلاد انقلابًا عسكريًا كل عشر سنوات، مع ما تتركه هذه الانقلابات من تداعيات قاسية وفواجع مريرة، تُشكل كل مرة زلزالًا يعصف بتركيا وبقواها السياسية، وشبحًا ماثلًا على الدوام أمام الشعب التركي برمته (مثّل انقلاب الجنرال كنعان إيفرين عام 1980، بذريعة حماية المبادئ الأساسية للجمهورية، كارثة مؤلمة لكل الأتراك).

استطاع حزب العدالة والتنمية أن ينتقل بتركيا، خلال ستة عشر عامًا، من دولة منغلقة على ذاتها ومحسوبة على العالم الثالث، إلى نمر اقتصادي ملفت، بحضور خارجي مؤثر وبمعدلات تنمية مستدامة وفّرت للشعب التركي الرخاء في المعاش والخدمات، وخصوصًا في مجالي الصحة والتعليم، وأصبح متوسط دخل الفرد السنوي 12 ألف دولار، وبلغت نسبة متوسط النمو طوال هذه السنوات أكثر من 7 بالمئة (قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده حققت نموًا بنسبة 7.4 بالمئة عام 2017، لتحتل بذلك المرتبة الأولى من حيث النمو، بين دول مجموعة العشرين التي تمثل 85 بالمئة من الاقتصاد العالمي)، أما الاحتياطي النقدي فقد قفز إلى 120 مليار دولار هذا العام 2018، مع توقعات بوصوله إلى 150 مليار دولار، بحسب مساعي الحكومة التركية، ووفق تصريح سابق للرئيس أردوغان، والناتج القومي اليوم يتجاوز ترليون دولار، والتصدير تجاوز 161 مليار دولار خلال الأشهر الـ 12 الأخيرة، حسب تصريحات وزير الجمارك والتجارة التركي بولنت توفنكجي، أما البطالة فقد بلغت نسبتها 10.3 بالمئة، وهي آخر الأرقام المُعلنة لهيئة الإحصاء التركية، بينما قفز عدد الجامعات إلى 202 جامعة.

شكّلت تداعيات الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع في 15 تموز/ يوليو 2016 أثارًا سيئة على اندفاعة التنمية في تركيا، على كافة الصُعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إلا أن الأوضاع بدأت تسير نحو التعافي والاستقرار، إذ أمسكت القيادة التركية بزمام الكثير من القضايا المفصلية، بعد توجيه ضربات متتالية لجماعة فتح الله غولن، وإضعاف دورهم ومؤسساتهم القائمة، إضافة إلى تجاوز المخاطر التي شكّلت تهديدًا جديًا لقضية الأمن القومي التركي، من خلال صلابة مواقفها تجاه الأطراف الدولية التي وقفت ضدها، وراهنت على الانقلابين، ولهذا جاءت استدارة تركيا نحو روسيا بوتين، لتشكّل تكتيكًا سياسيًا في وجه أميركا أوباما، وخليفته ترامب، اللذين عملا على التخلي عن عضو مهمّ في حلف شمال الأطلسي، شكّل عبر عقود جدار صدّ لما كان يُسمى بالتمدد الشيوعي، ودعم تنظيمات إرهابية موضوعة أساسًا على القوائم الأميركية.

جاءت الخطوة التالية لحزب العدالة والتنمية، في تجسيره للعلاقة مع الحزب القومي اليميني المتطرف حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهشلي (قدم العدالة والتنمية منذ تأسيسه رؤى سياسية، نجح من خلالها في حل معادلات بدت مستعصية على الساسة الأتراك لأعوام طويلة: تصالح مع ماضيه الإسلامي ومع قيم الدولة العلمانية، سعى لدمج الأكراد ثم عاد للرؤية القومية، انسجم مع القيم الغربية وعمل في إطارها، لكنه عبّر عن طموحات الشرق في عدالة أكثر للنظام العالمي. “موقع إضاءات – ضياء طارق”)، وتلاقى مع هذا الحزب حول قضايا مشتركة، أهمها الموقف من القوى الكردية التي يصفها بالإرهابية، كفصيلي (بي كا كا) و(بي واي دي)، بعد أن فشل الأكراد في التقاط الفرصة التاريخية التي تقدم بها أردوغان (كانت القوى السياسية التركية الوازنة، ومنها المؤسسة العسكرية، تنعت سابقًا أكراد تركيا بأتراك الجبال)، بسبب مراهنتهم على الدعم الغربي والأميركي على وجه الخصوص، من خلال إيهامهم أنهم مستعدون لمساعدتهم في إنشاء كيان كردي في الشمال السوري، لذا عاودوا القيام بأعمالهم العنفية ضد تركيا، والعمل على إنشاء إدارات فعلية في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم (خصوصًا في الجزء الشمالي من الجزيرة السورية)، إلا أن عمليتي (درع الفرات) و(غصن الزيتون) أفشلتا هذا المخطط، على الرغم من أن الأخطار التي تهدد تركيا بهذا الخصوص ما زالت ماثلة، وأن أي اتفاق مع الجانب الأميركي يظل مشكوكًا بأمره.

يقترب الاستحقاق الانتخابي التشريعي والرئاسي اليوم من موعده، حيث رصيد حزب العدالة والتنمية وأردوغان وفيرٌ بما فيه الكفاية (حيث أعلنت الحكومة التركية عن عزمها ضخ مليارات الدولارات في أنشطة البنية التحتية، كالطرق والجسور والكهرباء، وإقامة مشروعات عملاقة مثل مطار إسطنبول الثالث، ومشروع السيل الذي سيتم من خلاله نقل الغاز الروسي إلى تركيا ثم إلى أوروبا، إضافة إلى اعتزام الحكومة إدخال تعديلات جوهرية على قوانين الاستثمار والعمل، وتسريع إجراءات تأسيس الشركات والضرائب، ومنح مزايا إضافية للمستثمرين الأجانب والمحليين “صحيفة العربي الجديد اللندنية”)، وعلى الرغم من كل التشويش الذي قامت به -وما زالت- قوى المعارضة، عبر بروباغندا إعلامية صاخبة، يبدو أن لا حظوظ تُذكر لها في هذا الاستحقاق القادم، وكذلك القوى التي حاولت المضاربة على الليرة التركية، منذ فترة، لإخافة المواطنين الأتراك من انهيار قوة عملتهم الشرائية، كون ذاكرة الناس تظل طازجة أمام الإنجازات الملموسة التي غيّرت حيواتهم من حال إلى حال، في أقل من عقدين من الزمن، وفي مرحلة تراهن القيادة التركية الحالية، من خلالها على الانتقال بالجمهورية التركية إلى واحدة من أسرع البلدان نموًا في معدلات التنمية الاقتصادية العالمية، والعمل على رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى تريليوني دولار بحلول عام 2023، وأن يصل متوسط دخل المواطن التركي إلى 25 ألف دولار. كما أن إجراء التعديلات الدستورية والانتقال إلى النظام الرئاسي سيمنحان الرئيس أردوغان الهامش الواسع لاستكمال مشروعه حال فوزه، ليعطي مثلًا ثانيًا، بعد القفزة المذهلة التي تحققت في ماليزيا على يدي مهاتير محمد، والعبور بتركيا نحو الاحتفالية المئوية المنتظرة من قبل الأتراك عام 2023، بحيث تكون تركيا المعاصرة قد عاشت العهدين الكمالي والأردوغاني باقتدار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق