كلمة جيرون

أهل مكة أدرى بشعابها

قد يصمد مقاتلو درعا، وقد لا يصمدون، قد يتشبث أهلها بأرضهم وديارهم، وقد يُجبرون على مغادرتها في نزوح جديد، وقد يسقط قتلى بالعشرات أو بالآلاف، فالنظام لا يعدّ ولا يُحصي ولا يكترث حتى بقتلاه.

قد تكون معركة درعا معركة جسّ نبض، أو قد تكون حربًا ضروسًا، وقد يكون لدى المقاتلين ما يكفي من السلاح والذخيرة والطعام، وقد لا يكون، وقد تكون المعركة بمشاركة روسية أو من دونها، وبرضا الولايات المتحدة و”إسرائيل” أو من دونه.

قد تقوم الفصائل المقاتلة بعمل بطولي، أو قد تبيع، كما فعل غيرهم من قبل، وقد يضع قادة هذه الفصائل خططًا مُحكمة حرفية، أو قد يُثبتون أنهم مجرد هواة رُعنٌ، كما كان كثير غيرهم، وقد يجتمعون في غرفة عمليات واحدة بالفعل، وقد يتفرقون لتقاسم الغنيمة، فينهارون.

كل شيء غامض وغير واضح، في درعا، التي أطلقت يومًا شرارة الثورة، وسبقت في تحدّي النظام وطالبت بإسقاطه، و”كرّهته أيام الجمعة”، وقالت إنها “مع حمص ودوما والدير حتى الموت”، ودعت لفك الحصار عن المدن الثائرة، وقدّمت الشهيد تلو الشهيد دون حساب، قبل أن يُطلق النظام كلابه المسعورة، في كل أنحاء سورية، لتصبح كلها درعا، وكلها ثكلى، وكلها “شهداء”.

تتعقد الحسابات في درعا، جغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا، فالجميع يريد حصّة، ويريد موطئ قدم، ومرصدًا متقدمًا، ونقطة استراتيجية، ومعابر حدودية: “إسرائيل” وإيران وروسيا والولايات المتحدة والأردن، وكلٌّ يُغني على ليلاه، بانتظار أن يحصل على ما يريد بدماء السوريين.

يدرك أهل درعا أنهم سيكونون وحيدين، فلا هم استطاعوا مدّ يد العون لغيرهم، ولا غيرهم سيقدر، بل حتى إنهم لم يستنصروا أحدًا، وأقصى ما يريدونه هو بضع دعوات، وكفّ الأذى من بعض المتحاملين.

يُدرك أهل درعا أن النظام قاتل لا يرحم، وهم اليوم بين نارين: الصمود والمقاومة أو التسليم والمصالحة، تفاديًا للمزيد من الموت والحمم والقتلى، لكنّهم يوقنون أيضًا أن النظام خائن وغدّار، وسيذيقهم الويلات وإن هم سلّموا وصالحوا.

يُدرك أهل درعا أن الجنوح إلى السلم أفضل الحلول، لكنّهم في عمقهم يقولون: “الموت ولا المذلة”، ويريدون حلولًا سياسية تتبناها الدول، تحقق لهم بعضًا من مطالبهم الإنسانية التي رفض النظام تلبيتها، فقامت الثورة.

هناك من ينصح المقاتلين أن يُسلّموا ويجنّبوا البشر المزيد من الموت، وينسون أن كثيرًا من القوى المسلحة سلّمت مناطقها دون قتال، فاستباحها النظام والإيرانيون وقتلوا ودمروا و”عفّشوا”، وما زال أهلها ممنوعين من العودة إليها، بالرغم من تأكيد النظام أنها باتت “مناطق آمنة”.

هناك من ينصح المقاتلين أن يعودوا إلى رشدهم، ويقدّموا استسلامهم هدية للنظام، ولا يقترحون أي ضمانات، ولا أي بدائل، وهم في قرارتهم يُدركون أن النظام سينتقم اليوم لا محالة، وفي كل يوم قادم، لأنه لن ينسى أن الثورة بدأت من هناك.

من حق جميع السوريين أن يُطالبوا الفصائل المقاتلة بأن يضعوا المدنيين نصب أعينهم، وأن لا يتصرفوا أي تصرف يضر التجمعات البشرية، ومن حقهم أيضًا أن يُطالبوا بتجنب القتال في المدن والبلدات والقرى، لإغلاق الباب أمام قصف الأحياء السكنية، وأن يطالبوهم باتخاذ موقع الدفاع لا الهجوم، حتى لا يتركوا ذريعة بيد النظام وغير النظام، لكن هل يفيد لو طبّقوا كل ذلك بحذافيره؟

ببساطة، كلّ ذلك لن يفيد؛ فالنظام كاذب وسيقتل، وحاقد وسينتقم، وسجله حافل بجرائم الحرب؛ فكيمياوي النظام سقط فوق رأس ألف وخمسمئة من المدنيين النائمين في الغوطة في بيوتهم، بعيدين من أي مظهر عسكري. والمدارس دمّرت فوق رؤوس الأطفال وهم يتعلمون بعيدين من أي معسكر، والنابالم سقط ليحرق بشرًا كانوا في الأسواق، في مناطق لا توجد فيها رصاصة، ومخيم اليرموك دُمّر عن بكرة أبيه بذريعة وجود مقاتلين من (داعش)، وكذا سوق حلب القديم، ونصف حمص، والرقة ودير الزور والغوطة الغربية وغيرها الكثير.

نصائح من هذا النوع لا تُسمن ولا تُغني من جوع، والمطلوب أن تُقدَّم إلى فصائل درعا حلولٌ مضمونة، حلول تضمن الأمن و”اللا” مذلة، وتضمن الكرامة وعدم انتقام النظام، وتضمن أرواح البشر وممتلكاتهم، وتحقق الحد الأدنى من الحقوق البشرية، عندئذ يجب أن يستمعوا ويُطبّقوا، ودون ذلك، فإن أهل مكة أدرى بشعابها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق