مقالات الرأي

روسيا ومتلازمة بعض المعارضين السوريين

الوضعية السورية الراهنة معقدة للغاية بتشابك عواملها المؤثرة، ونتائج تفاعلاتها، وأبعادها المستقبلية على المستوى الداخلي. كما أنها كذلك من جهة التداخل الحاصل بين الفاعلين، ومن ناحية مآلاتها التي نعيشها واقعًا، وتلك المتوقعة في العقود القادمة، على المستويين الإقليمي والدولي.

هذا التوصيف يقر به السوريون، كما يأخذ به معظم من تعاملوا مع الموضوع السوري من الدبلوماسيين العرب والأجانب، والوسطاء الدوليين، ومن المتابعين المهتمين، سواء من الصحافيين أم من الباحثين والمحللين السياسيين.

هل ستبقى سورية موحدة أم ستستمر وضعية مناطق النفوذ إلى حين التوافق على تقسيم فعلي؟

هل سيبقى بشار الأسد في الحكم، أم سيزاح في نهاية المطاف، ضمن إطار عملية تدوير الزوايا؟

هل سيستمر التواجد الإقليمي والدولي بالشكل والحجم الحاليين، أم سيكون الحل في نهاية المطاف على أساس تسليم مقاليد الحكم لهيئة حكم سورية، تكون حصيلة التفاهمات بين الدول المعنية؟

هذه الأسئلة، وأخرى كثيرة، تطرح من قبل السوريين وغيرهم.

ولكننا سنترك هذا الواقع بتعقيداته ومفارقاته، وسنحاول أن نتجاوز الموقف الراهن بتجربة ذهنية، إذا صح التعبير.

لنتخيّل أن بشار الأسد قد فُرض على السوريين، وتمكّن من الهيمنة العسكرية في جميع المناطق السورية. وتم القبول به من جديد رئيسًا لكل السوريين من جانب المجتمع الدولي؛ هل تكون المشكلة قد حُلت؟ وهل سيتوافق السوريون –وهم أصحاب الشأن الأساسيين- على تخطي الآلام والعذابات عبر الضغط على جراحهم، والقبول بمن كان السبب الأساس لمحنتهم الطويلة التي ستمتد آثارها التراجيدية على مدى عقود قادمة؟

إن حلًا من هذا القبيل يستوجب وجود إرادة وطنية واضحة مطمئنة لدى النظام. إرادة تقوم على أساس الاعتراف الصريح بالخطأ والاعتذار من المتضررين وذويهم وتعويضهم، والاستعداد لحوار وطني حقيقي مسؤول، والالتزام بخلاصاته من دون أي مواربة أو تحوير.

فالنظام، ورأسه بشار الأسد تحديدًا، ما زال مصرًا على أن كل السوريين الذين ثاروا عليه، كانوا إما مُضلَّلين مخدوعين، أو متآمرين. وقد تمكّن من الانتصار عليهم، وأفشل “المؤامرة الكونية” التي كانت تستهدف سورية و”خطها المقاوم الممانع”.

ولكنه في قرارة نفسه يعلم تمامًا أنه لم ينتصر، وإنما تحوّل إلى مجرد واجهة لتمرير مصالح الآخرين، والتغطية على حساباتهم، مقابل البقاء في منصب دمّر من أجله البلد، وشرد الشعب، وهتك النسيج المجتمعي الوطني.

وفي المقابل، تدرك الغالبية الغالبة من السوريين التي ثارت من أجل الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية، أنها لم تُهزَم من طرف النظام، وإنما تعرضت لكل ما تعرضت له نتيجة تواطؤ المجتمع الدولي وصمته في مواجهة تحالف كل من روسيا وإيران مع النظام، ودعمهما اللامحدود له.

ولهذا، فإن هذه الغالبية لن تسلّم بالنتيجة، ولن تستكين لسلطة نظام مستبد فاسد، يدير البلاد بعقلية العصابة. نظام ارتكب بحق السوريين المجازر والفظائع، واستخدم كل ما لديه من الأسلحة حتى الأسلحة الكيمياوية. وبالتالي فإن هذا النظام، إذا تمكّن من الاستمرار، فهذا معناه أنه سيمارس قمعًا أشد، وسيلجأ إلى تصفيات انتقامية، وستتسارع وتيرة عمليات الفساد والإفساد.

وفي الحالة السورية التي تتسم بالتعددية الدينية والمذهبية والقومية، سيكون من الاستحالة بمكان إقناع الأغلبية بقبول حكم مجموعة لا تمتلك مشروعًا وطنيًا، وتفتقر إلى المؤهلات المعرفية والاتزان الأخلاقي. مجموعة تستعد منذ الآن للانقضاض على أموال الناس وحرياتهم، وهي تستقوي في ذلك على شعبها بالنظام الإيراني الذي يستلهم تاريخ تباينات المنطقة وصراعاتها، بما يتناغم مع نزعاته التوسعية، ويدغدغ العواطف الشعبوية لحاضنته المجتمعية وشهوتها إلى السيطرة بمختلف السبل، بما في ذلك التغيير الديموغرافي والمذهبي، والسيطرة على ممتلكات الناس بعد قتلهم أو تهجيرهم. والأمثلة في هذا المجال صارخة، فاضحة، تدين المعتدي، كما تدين الصامتين من مواقع متباينة على جرائم المعتدي.

أما البدعة الروسية التي جوهرها اختزال المسألة السورية بكل أبعادها وتعقيداتها في لجنة دستورية شكلية؛ فستكون مهمتها إضفاء “الشرعنة السورية” على دستور روسي الصياغة، عُرض في أستانا، ثم تم سحبه بعد تصاعد الاحتجاجات على طريقة التقديم ومكانه، وطبيعة المباحثات وهوية المشاركين. ولكن بعد انهيار الفصائل العسكرية، والقيام بعمليات تدجين طالت معظم قياداتها، ومع تفاعل نتائج الطابع التلفيقي الذي تشكلت بموجبه الهيئة العليا للمفاوضات في نسختها الثانية، هذه الهيئة التي اتسمت منذ البداية بتعددية الولاءات والمرجعيات، وهو الأمر الذي لا يمكن التعتيم عليه عبر الحديث عن ضرورة تفهم تعددية الآراء والمواقف. بعد كل ما تقدم، يبدو أن الطريق قد بات معبدًا لتمرير الهرطقة الروسية، عبر المبعوث الدولي وأدعياء الواقعية السياسية من المعارضين بمنصاتهم وتصنيفاتهم المختلفة.

ومع ضبابية الموقف الأميركي -المعلن على الأقل- يلاحظ المرء وجود إصرار روسي على تسويق “مشروع حل” مبني على التصور الروسي، والشروط الروسية، التي ربما كانت جزءًا من تفاهم أشمل مع الجانب الأميركي الذي يعوّل كثيرًا على موضوع الانتخابات المثير للجدل هو الآخر، وذلك في أجواء عدم التوصل إلى اتفاق سياسي يحدد طبيعة النظام السياسي وشكل الدولة، ويزيل العوائق التي تمنع عودة اللاجئين والمهجرين، وإطلاق سراح المعتقلين، والتدقيق في سجلات الناخبين من جانب لجنة أممية مختصة، وتوفير الشروط الموضوعية لانتخابات شفافة نزيهة، بإشراف دولي فعلي، لا شكلي ترقيعي دعائي إعلامي.

ومن الواضح أن الهدف الروسي من موضوع اللجنة الدستورية هو انتزاع مكاسب سياسية، عبر تمييع مضامين البيانات والقرارات الدولية التي كانت تمثل مرجعية جولات جنيف. ولعل هذا ما يفسر تدخل بوتين شخصيًا بصورة علنية، ويدعو بشار الأسد إلى التجاوب الإيجابي مع موضوع تشكيل هذه اللجنة على الرغم من محاولات النظام المتكررة التهرب من الموضوع، والسعي المستمر من أجل توظيفه لصالحه تحت شعارات عدة منها: السيادة والشرعية وضرورة اعطاء الأولوية للحوار السوري- السوري.

وبعيدًا من التسريبات والإشاعات التي تتمحور حول اللجنة المعنية، من جهة أسماء المشاركين، والمهام التي ستناط بها، والإمكانات الواقعية التي ستمتلكها، بعيدًا من كل ذلك، نرى أن الوضع السوري بتعقيداته الكثيرة على مختلف المستويات: الداخلية الإقليمية والدولية، يوحي –بناء على المعطيات المتوفرة حاليًا- بأحد الاحتمالين: الأول المحافظة على وحدة سورية أرضًا وشعبًا، من دون بشار الأسد ونظامه، وهو الاحتمال الأضعف.

أما الاحتمال الآخر -وهو الأقوى- فهو يتشخص في استمرارية وضعية مناطق النفوذ إلى أمد غير معلوم، ريثما يحدث التوافق الدولي، ويتم التوصل إلى صيغة ما لحل يراعي مصالح الدول، على حساب مصالح ومستقبل الشعب السوري الذي قد أصبح كله -بصرف النظر عن الموقف من النظام- خارج المعادلة.

ويبقى السؤال السوري الوجودي المؤرّق: ما العمل؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق