سورية بين تكتيك الحلّ واستراتيجية الاحتلال

منذ بداية الصراع، وضعت روسيا ثقلها لأجل حماية النظام واستمراره، إذ أشهرت منذ العام 2011 سلاح الفيتو لحمايته على الصعيد الدولي، وأمدّته بالسلاح، قبل أن تضع ثقلها العسكري على الأرض السورية، وتمسك بزمام الأمور في 30 /9 /2015 بالتنسيق مع النظام، ثم تعيد هيكلة الشأن السوري بما يناسب وجودها الطويل، فالقوات الروسية باقية في سورية، ما دامت موسكو ترى مصلحة بذلك، هكذا أعلن الرئيس بوتين في السابع من الشهر الجاري.

تمكنت روسيا، منذ بدء حملتها العسكرية في سورية، من اللعب على كافة الاحتمالات الممكنة، والظهور كمتحكّم فعلي في كافة المسارات العسكرية والسياسية والاجتماعية، فقد استطاعت عبر قاعدتها في حميميم إنشاء هيكل قيادة لتوجيه العمليات العسكرية وإدارة المعارك، وأولوياتها تعزيز قدرات النظام والقوى المتحالفة معه الهجومية والدفاعية وتغيير كفّة الصراع. وتمكّنت من تقليص التهديدات بدخولها على خط المصالحات الاجتماعية، بأشكالها المختلفة، التي غالبًا ما تتم بعد استنزاف المناطق عسكريًا، ودفع أهلها إلى التفاوض للإبقاء على حياتهم مع “المركز الروسي لتنسيق المصالحة” في حميميم، ومن خلفهم “وزارة المصالحة والسلم الاجتماعي” التابعة للنظام السوري. واستطاعت الإمساك بزمام الأمور، والتوفيق بين التدخلات الإقليمية لكل من إيران وتركيا، على الرغم من اختلاف الأجندات الثلاث، لترتيب الصراع في سورية والتحكّم في مساراته السياسية، عبر مناطق خفض التصعيد، وتحوّلت من طرف مباشر في القتال، إلى طرفٍ ضامن للعملية السياسية في أستانا، وضامن للتهدئة بين الخصوم “إيران وإسرائيل”، برز مؤخّرًا في الجنوب السوري، وسط مقامرة روسية بأن تؤمّن لإيران دورًا في سورية، وتلبّي مطالب “إسرائيل” وأميركا، بخروج إيران من سورية في الوقت ذاته. ولم يحسم القرار بعد.

ذرائع كثيرة ومتعددة رفعتها روسيا لتبرير تدخلها العسكري في سورية، لكن أكثرها مصداقية مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، فالرغبة في إيجاد بوّابة على الشرق الأوسط والمياه الدافئة دفعتها إلى توقيع اتفاقية لمدة 49 عامًا قابلة للتمديد 25 عامًا أخرى، ببقاء قاعدة حميميم العسكرية والقاعدة البحرية الروسية القديمة في طرطوس. ومساعيها للكسب وجني الأرباح كانت وما تزال هي المحرّك الأساس لانخراطها في الصراع؛ إذ شكّلت سورية فرصة نادرة لروسيا بتحويلها، خلال الفترة الماضية، إلى حقل رماية وبؤرة تجارب لأسلحة روسية تفاخر بها الرئيس بوتين، في خطابه السنوي أمام البرلمان الروسي “الدوما”، في 1/ 3/ 2018 قائلًا: “إن روسيا اختبرت مجموعة من الأسلحة في العام 2017، والعالم يعرف الآن كلّ أسماء أسلحتنا الرئيسية”. فمع 14 ألف تجربة لمختلف أنواع السلاح الروسي التي أظهرت كفاءتها في سورية؛ حققت روسيا تطورًا وابتكارات متسارعة في قدرتها العسكرية، ووقّعت عقود أسلحة جديدة مع عدد من الدول، بقيمة تراوح ما بين 6 و7 مليارات دولار، وفقًا لصحفية (كوميرسانت) الاقتصادية، وكل هذا في وقت يجري فيه بحث الهدن والتهدئة وأن لا حلول عسكرية في سورية.

السيطرة الروسية لا تقتصر على مرحلة الحرب، فمنذ أن قرّرت موسكو إعفاء دمشق من سداد 9.8 مليار دولار من ديونها البالغة 13.4 مليار دولار في بداية الأزمة السورية؛ دخلت الحكومتان الروسية والسورية في عقد الصفقات الاقتصادية الضخمة والمتنوّعة، فقد وقّعت روسيا عقودًا كثيرة وطويلة الأمد أهمّها في مجال الطاقة، وحقّ التنقيب عن النفط والغاز، وتأهيل منشآت الغاز، واستثمار الفوسفات. ومع انطلاقة الحديث حول نهاية الحرب، سارعت روسيا بالرغم من عجزها الاقتصادي إلى استلام ملف إعادة إعمار سورية وعملية البناء، فالأجندة الاقتصادية الواسعة لروسيا تحرم البلاد حرية إدارة مواردها الاقتصادية في المستقبل، وتفرض هيمنة اقتصادية سياسية على الحكومات المستقبلية.

كما أن للسيطرة الثقافية شأنها في التمهيد لاستدامة الوجود الروسي، والتنسيق الثقافي بين الحكومتين الذي وصل إلى حدّ إدخال اللغة الروسية كلغة اختيارية في 59 مدرسة، في العام الدراسي 2014 – 2015، ليصل عددها في 2017 إلى 170 مدرسة وما يقارب 15 ألف تلميذ، وفق وزارة التعليم السورية. وافتتحت وزارة التعليم العالي مركزًا روسيًا في جامعة دمشق، لتعليم اللغة الروسية وإعداد كوادر لتدريسها بحرفية. كما سيتمّ افتتاح أول فرع “للجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية” في دمشق، التي تبنّت بناء مدرسة روسية في ضاحية قدسيا، تكون تحت إشرافها بالتعاون مع وزارة التربية. والتطبيع الثقافي لم يقتصر على تعلّم اللغة بل شمل الكثير من المظاهر الأخرى، كانتشار العلَم الروسي وصور بوتين وكلمات الشكر لروسيا التي تملأ الطرقات، وصارت الأسماء الروسية للمحال التجارية (مطعم روسيا، مقهى موسكو..) هي الأكثر شعبية في سورية، حسب الصحف الرسمية.

إعلان نهاية الحرب ورغبة البقاء الروسية يعني التوجّه نحو الحدّ من الانتهاكات السافرة المرافقة للحرب، وترتيب ما يمكن ترتيبه من الفوضى لكسب التأييد الشعبي، بحسب قراءة “حميميم”، فالشرطة الروسية التي عملت سابقًا على الفصل بين المناطق والانتشار في نقاط التماس، صارت “ضابط الأمن” الجديد، إذ أقامت مراكز تدقيق ونقاط مراقبة في أكثر من مكان، واشتبكت مع عناصر من ميليشيات النظام بغية الحدّ من ممارساتها “التعفيش مثلًا”، وأغضبت الميليشيات الشيعية بمنعها دخول بعض المناطق، وسط تأكيد صارم من قاعدة حميميم بعدم سماحها بالتمرّد والخروج عن القانون في أماكن انتشار الشرطة الروسية، وكلّ ذلك تزامن مع إملاءات روسية بحلّ الميليشيات التابعة للنظام أو دمجها بالقوات النظامية، والعمل على إزالة عشرات الحواجز العسكرية والأمنية داخل أحياء مدينة دمشق، وسط نكران النظام بوجود إملاءات روسية. لكن المعطيات تشير إلى أن روسيا التي صارت ضامنًا للنظام على الصعيد الدولي في المفاوضات، وفي الصفقات التي تدار باسمه في الملفات الشائكة كالجنوب السوري، هي من تتحكّم في ترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية، في هذا الجزء المفيد من سورية.

لروسيا مصلحة بالظهور كمنتصر وصانع للحلول، والاستفادة من سورية بدمارها وبإعمارها، لكن الحرب في ساحة صراع كثر فيها الفاعلون لم تنته بعد، وتبقى وصفات الحلول مجرّد تجارب مفتوحة على احتمالات يمكن قلبها، وروسيا التي وكّلت نفسها للإشراف على مجريات التغيرات في الواقع السوري، وإدارة المراحل ستبقى بعيدة عن إيجاد حلول مستدامة تعطيها أمان البقاء على الأرض السورية، وليس بمقدورها كدولة متحكّمة أو ضامنة، مهما رتّبت بالشأن السوري، أن تقدّم حلًّا يحقّق طموحات جميع السوريين.. فمثل هذا الحلّ لا تصنعه دولة احتلال.