الجنوب السوري: أسئلة سياسية وإجابات جيوعسكرية

ترددت الإجابات المطروحة عن سؤال مصير المنطقة الجنوبية برمتها، مرة بحيث تشمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، ومرة بشكل جزئي لمحافظتي درعا والقنيطرة، وذلك في سياق تحديد القوى المسيطرة على وقائع الأرض في هذه المنطقة، وآلية حكمها سياسيًا، وعلاقتها بالمركز السياسي دمشق؛ حيث أتت تصريحات الخطوط الحمر الأميركية صريحة، تحت عنوان أنها منطقة “خفض تصعيد”، تم الاتفاق عليها في تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي، بمركب ثلاثي قوامه واشنطن – موسكو – عمان، مع غياب واضح، خلاف لقاءات أستانا الثمانية، لكل من فصائل المعارضة والنظام بآن واحد؛ وقد أتى هذا الاتفاق بعد قرار إيقاف إطلاق النار في المنطقة، في شهري تموز وحزيران من العام ذاته، الذي أعلن من عمان أيضًا.

الجنوب السوري، أو ما يسمى بالمنطقة الجنوبية، تسيطر عليه منذ عام 2013 بمعظمه، في منطقتي درعا والقنيطرة، فصائل المعارضة السورية، مع جيب محدود في وادي اليرموك لما تتضارب الأخبار عنه بشأن مبايعته (داعش)، وذلك لحدود ما يسمى “مثلث الموت” الواقع بين ريف دمشق الجنوبي وريفي درعا والقنيطرة الشمالي، وقد تبدلت عليه مواقع السيطرة العسكرية، لأهميته الاستراتيجية، خلال السنوات السابقة، إلى أن بات محكومًا من قبل قوات النظام السوري، بدعم من الميليشيات الإيرانية. ولم ينته بعدُ ترسيمُ مواقع السيطرة العسكرية في المنطقة بكاملها أو جزئيًا إلا أن ثمة مؤشرات عدة تلوح في الأفق منها:

– تكرار “إسرائيل” طلبها من روسيا، ضرورة إبعاد الفصائل الشيعية الإيرانية عن حدود الجولان مسافة تراوح بين 40 لـ 70 كم، وتكرر ضرباتها العسكرية الجوية “مجهولة المصدر” (حسب إعلام الممانعة ومحور المقاومة المشبوه) لمواقع هذه الفصائل في كل المواقع السورية، وخاصة في محيط دمشق الجنوبي باتجاهي القصير وحمص وحماة شمالًا، والمنطقة الجنوبية في درعا والقنيطرة والسويداء جنوبًا، وإن كانت هذه مركزة ومحدودة في الوقت ذاته.

– استمرار الأردن في دعم منطقة خفض التصعيد على حدوده السورية، بغية تخفيف عدد النازحين لأراضيه، وخشية زجه في معركة لا يريدها لا عسكريًا ولا سياسيًا، يترافق هذا مع أزمة اقتصادية شهدت على أثره حركات احتجاجية شعبية واسعة فيه، مستفيدًا، أي الأردن، بذلك من دعم أميركي وإسرائيلي وغض نظر روسي، هذا مع محاولته الدائمة للوصول إلى اتفاقٍ بفتح معبر نصيب السوري – الأردني، الذي يمثل الشريان الحيوي للتجارة والاقتصاد الأردني؛ ما يعني ضرورة الاقتراب من ظهور نتائجه الجيوسياسية قريبًا، بعد الضغوط التي تتعرض لها الأردن داخليًا.

– التحذيرات الأميركية المتتالية بعدم خرق اتفاق خفض التصعيد، وهي المشاركة كطرف فعال في اتفاق عمان لخفض التصعيد في الجنوب، خلاف أستانا المكتفية به كمراقب، وهذا ما يعدّ مساسًا بالمحيط الحيوي لكل من “إسرائيل” والأردن.

تبدو الإجابات العسكرية، وفق هذه المعطيات، قاصرة عن تحديد مؤشرات وأبعاد العمليات العسكرية الممكنة في المنطقة الجنوبية، لكن السؤال المطروح والمفصلي أولًا فيها هو السؤال الجيوسياسي “الجيوبولتيكي” الذي طرحته خطة مركز (راند) الأميركية بدايات عام 2015، وصنفت فيه المنطقة الجنوبية كمنطقة سيطرة للمعارضة السورية بإدارة ذاتية سياسيًا أو لا مركزية إدارية مخففة، تقع تحت سيطرة فصائل (الجيش الحر) وبوصاية الأردن عليها، مثلها مثل إدلب في الشمال السوري ولكن تحت الوصاية التركية، مع تفريغ كامل المنطقة الداخلية السورية من فصائل المعارضة، ووضعها تحت سيطرة قوات النظام بوصاية وضمانة روسية، وإيرانية جزئية، وهو ما أنجزته روسيا في العامين السابقين من دمشق للساحل السوري. ليعاد اليوم طرح السؤال الأهم في مصير المنطقة الجنوبية: أما زالت مفاعيل خطة مركز (راند) للحل السوري صالحة للعمل؟ أم أن ثمة متغيرات حدثت في مجريات وقائع الأرض ستؤدي لتعديلها، وبالتالي يصبح مصير المنطقة الجنوبية قيد تساؤلات عدة ومصير مشوب بالأسئلة، تتقاذفه حلول ووصفات جيوسياسة من جهة وجيوعسكرية لا تحتمل الوقوف على خط واضح لليوم.

يرى كثير من المحللين العسكرين، وفق معطيات الأرض، أن العمليات العسكرية البرية التي تقوم بها قوات النظام هذه الأيام، هي عمليات محدودة لا يمكن لها التوسع أو الامتداد، ويبدو هذا أوليًا مقنعًا لكن لا يمكن الوقوف عند فرضية كهذي، طالما عمليات التمهيد البري يمكنها أن تزج بقرى السويداء وبعض أبنائها في مواجهة محتملة مع جيرانهم في درعا، خاصة أن القذائف التي تسقط على مدينة السويداء، ويشاع زيفًا أن مصدرها درعا، تأتي برسائل إنذار مباشرة للسكوت عما يجري من جانب، ومن جانب آخر تحفيز فصائل الدفاع الوطني وأبناء السويداء، لخوض معركة برية تكون كلفتها البشرية عالية؛ ما ينذر بمحاولة فصل السويداء كلية عن منطقة خفض التصعيد الجنوبية والتمهيد لوضع نقاط وإجابات جيوعسكرية على ترسيم الحدود الجغرافية عسكريًا بين محافظتي درعا والسويداء شرقي الطريق الدولي، وربما وصولًا إلى نصيب على الحدود الأردنية بنقاط عسكرية محددة ترسم حدودًا سياسية، ليست بمصلحة أهالي المنطقتين وسكانها؛ وفي مقاربة أخرى، لجعل مفاعيل خطة (راند) الأميركية محملة على أسس “إثنية” وطائفية تحتمل إجابات التقسيم مرة و”الفدرلة” الطائفية بوجه آخر؛ ما يلغي بالجذر مفهوم المواطنة السورية وهويتها التي ما زالت كل قواها الوطنية متمسكة بها بالرغم من كل ما اعتراها من شروخ.

المنطقة الجنوبية أمام إجابات جيوعسكرية محتملة، كما كانت كامل سورية أمام إجابات جيوسياسية عميقة، طوال السنوات الثلاث الفائتة، وما على السوريين، وطنييهم وسياسييهم، هو إعادة طرح أجوبة سياسية مدنية عاجلة، تحتكم إلى معيار وجودهم التاريخي والسياسي، وقدرتهم على تخليق مشاريع وطنية أرادتها الثورة منذ ما يزيد عن سبعة أعوام، وإلى اليوم لم تبصر النور.