سورية.. أكانت نبوءة قرآنية؟

لا يبدو هلاك وتدمير جزء كبير من سورية التي نعرفها أمرًا مستغربًا، بالنسبة إلى الباحث المثير للجدل محمد شحرور. بل هو نبوءة قرآنية، وقانون تاريخي سنّه الله، ليكون أداةً لهلاك أولئك الذين يشذون عن الغاية التي خُلقوا من أجلها.

ببساطة، سورية هي “قرية”. ليست قرية بالمفهوم الشائع، بل هي قرية، حسب النص القرآني الذي يقدّم له شحرور، كعادته، تفسيرًا ملفتًا ومثيرًا للجدل أيضًا. وبقدر ما يتعرض الرجل لانتقادات، فإنّ النص القرآني يحتمل، في معظم الأحيان، الفهمَ الذي يطرحه، مهما كان غريبًا ومستهجنًا لدى المتلقي.

من خلال كتابه الأخير (الدولة والمجتمع.. هلاك القرى وازدهار المدن)، ومن خلال إطلالاته التلفزيونية الأخيرة، يقدم محمد شحرور قراءةً، مفادها أن المجتمعات والدول التي تقوم على رؤى أحادية، ترفض التنوع وتعدد الآراء، مصيرها الهلاك، وربما أيضًا التدمير. الهلاك والتدمير يتأتيان من تدخل خارجي، أو بفعل حرب أهلية. وكنتيجة طبيعية لرفض التعددية.

يقصد الرجل بـ “الأحادية”، رفض الآخر، وفرض رؤية محددة. ويختصرها بالنماذج الأيديولوجية للحكم وممارسة السياسة. وكذلك في الفهم الديني والسياسي والاجتماعي الذي يرفض الرأي الآخر، ويرفض التفاعل الإيجابي معه.

على النقيض من ذلك، فإن المدينة، وفق فهم شحرور للنص القرآني، إشارة إلى مجتمع تسوده التعددية. تعددية تشمل الملل والأديان، وربما اللغات، وكذلك، التعددية السياسية. وصولًا إلى أرقى مظاهر المدينة، وهو فصل السلطات، الفعلي، لا الشكلي.

بكلمات أخرى، وحسب فهم شحرور للنص القرآني، فإن الديكتاتوريات هي “قرى”، ومصيرها الهلاك، وأحيانًا التدمير، وهي سبب لتعاسة الناس. وعلى العكس من ذلك تمامًا، فإن الديمقراطيات تؤدي إلى سعادة الإنسان في الدنيا، وهي النموذج الذي يرتضيه الله.

يرى كثيرون أن “شحرور” يلوي أعناق الآيات القرآنية، للخروج بالمعنى الذي يريده. فهو يعمل، حسب منتقديه والمشككين فيه، على تقديم فهم للدين، يتماشى مع القيم الشائعة في الغرب.

لكن تتبع الرجل بدقة، عبر سلسلة كتبه وإطلالاته وشروحاته، يكشف أنه يمتلك قدرة عالية على تقريب النص القرآني من الواقع، بالاعتماد على سلطتين: سلطة اللغة العربية، وسلطة العقل. والتفاعل بين هاتين السلطتين يؤدي إلى فهمٍ يختلف تمامًا عن ذلك الذي تربينا عليه، عبر مئات السنين، من خلال تفاسير وفِقِه “السلف الصالح”.

فتلك التفاسير، وذلك الفقه الذي يعود إلى 1200 سنة، وحكم عقلية المؤسسات الدينية، ورجالاتها، منذ إغلاق آخر أبواب الاجتهاد والجدل الفلسفي – الديني، منذ أكثر من 900 سنة.. خلق، بالفعل، حالة ازدواجية، بين واقع نحياه وبين فهم ديني لا نراه على أرض الواقع، ونعجز عن تطبيقه.

ازدواجية، كانت سورية ساحة لمحاولة إلغائها، فكانت النتيجة أكثر كارثية. فأولئك الذين حاولوا تطبيق جانب مما تنص عليه النصوص الفقهية، قادوا سورية إلى المزيد من الهلاك. وحرفوا مسار الحراك الثوري ضد نظام الأسد، ليتحول إلى حرب “مقدسة”، بعد أن كان حراكًا سياسيًا.

يعتقد شحرور أن أبرز أسباب هلاك سورية، هو أن “أحادية” تقاتل “أحادية”. فنظام الأسد وداعموه، والتنظيمات الجهادية والإسلامية التي قاتلته، كلاهما يقدم طرحًا أحاديًا، لإدارة الدولة والمجتمع. الأول بما يخدم عائلة ونخبة مستفيدة، تدعي العلمانية. والثاني، بما يخدم نخبة أخرى، تدعي تمثيل الدين.

وقد يكون أكثر ما يثير الاهتمام، في طرح شحرور هذا، حديثه عن أن السعادة، حسب النص القرآني، ليست أخروية فقط، بخلاف ما علّمنا “علماؤنا” عبر أحاديث نبوية، تركز على سعادة الآخرة. فحسب شحرور، هناك سعادة دنيوية أشار إليها القرآن، لكنها تختلف عن سعادة الآخرة. فسعادة الدنيا، للمجتمعات، وسعادة الآخرة للأفراد. والعكس صحيح. ففي الدنيا، هناك مجتمعات سعيدة، وأخرى تعيسة. أما في الآخرة، فهناك أفراد سعداء، أو تعساء.

في الدنيا، تعاسة المجتمعات تتأتى من مخالفتها لقانون هلاك القرى وازدهار المدن، حسب فهم شحرور. قانون حتمي، فرضه الله على البشرية، ومفاده، كلما كان المجتمع متنوعًا ومتعددًا، يتقبل فيه كل طرف الآخر، وتتفاعل المواقف والآراء المختلفة فيه، ضمن منظومة قانونية وقيمية واحدة، تسمح للاختلاف بأن يظهر بشكل إيجابي؛ ازدهر هذا المجتمع. والعكس صحيح.

نصيب سورية، اليوم، كما الحال في ليبيا والعراق وبلدان أخرى، الهلاك والتدمير، كعاقبة للفكر الأحادي لدى السلطة وأيضًا في المجتمع. فأولئك الذين يريدون لسورية أن تكون لونًا واحدًا، سياسيًا، أو دينيًا، أو أيديولوجيًا، يحكمون عليها بتعاسة الأفراد، وهلاك البنى.

سورية اليوم، قرية. وبانتظار أن تتحول إلى مدينة، ستبقى قصة مأساة، أو هكذا يقول شحرور. وبقدرِ الجدل الذي يثيره الرجل، فإنه يقدم أفكارًا تعصف بالقناعات الموروثة، وتحث المتسائلين عن أسباب ما وصلنا إليه، على إعمال عقولهم.