درعا مأتم جديد لن يفرح به السوريون

هكذا، عادت درعا مهد الثورة السورية، لتحتل واجهة الأحداث، بعد تكثيف النظام السوري وحلفائه القصف العنيف ضد بلداتها وريف المحافظة الجنوبية، ولعل من يراقب ما يجري هناك ينتابه شعور غامض بالانكسار، والخوف من حدوث انفجار كبير يقود المنطقة الجنوبية إلى مصير مشابه لتلك المناطق التي أُخضعت، من بعد دمار وتشريد، لسلطة نظام الأسد، وبما أن المنطقة الجنوبية مشمولة -لفظًا- باتفاق خفض التصعيد، وتتعرض لعكس ما تم التوافق عليه، إقليميًا ودوليًا، فإن ملامح تعقيد الوضع في درعا لاحت، منذ بدأ النظام وحلفاؤه حشد القوات تحضيرًا لجولة إخضاع المنطقة الجنوبية وتدميرها.

غير بعيد من تلك الملامح، المواقف الدولية والإقليمية التي تُؤسس لضوء أخضر كبير أو كشاف يمهد للنظام طريق الضرب والحرق والتدمير، أولى رسائل التطمين التي وصلت للنظام كانت من الولايات المتحدة الأميركية، عبر رسالتها للمعارضة السورية التي نشرتها وكالة (رويترز) للأنباء “أن لا تعوّلوا على دعمنا العسكري، في التصدي للهجوم الذي يشنه النظام على الجنوب السوري، ولا تبنوا قراراتكم على افتراض أو توقع قيامنا بتدخل عسكري”.

وآخر الرسائل كانت من وزير الخارجية الأردني، بإغلاق الحدود منعًا لتدفق اللاجئين، وقبل ذلك إشارات التوافق الأميركي الروسي والإسرائيلي، على ضرورة إنهاء النظام لوضع المنطقة الحدودية في الجنوب، واستعادة زمام تأمين المنطقة له ولـ “إسرائيل”، وقد تعهدت موسكو بإسناد النظام لتحقيق هذه الخطوة.

كل الحديث والتحذير الذي سبق خطوة الانقضاض على أرياف وبلدات درعا، ذهب أدراج الرياح مثل غيره، والثابت هو ما يحصده النظام من مواقف حلفائه وإسنادهم، علاوة على ما تقدّمه له مواقف المجتمع الدولي من أكاذيب مساندة الشعب لسوري. خَبِر السوريون ذلك في الأعوام القليلة الماضية، حمص وحلب وأريافهما مع دمشق وريفها شواهد حية لفواجع الخذلان الكبير، وهي عوامل ولّدت شعورًا بأن الضحية ستظلّ تدفع ثمن خياراتها، وسيظلّ القاتل يسرح ويمرح من جنوب البلاد إلى شمالها، يوزع براميله وموته، لكن هذه العوامل انعكست جميعًا –وهذا هو الأهم- على مواقف دولية، بقيت تنذر بكارثة فوق رؤوس السوريين، لافتضاح عوامل تضامنها وتآزرها مع عدو الشعب السوري.

قبل درعا، واجهت حلب والقصير ودوما وداريّا وحمص وعدة مدن وبلدات، حربَ إبادة، ووقف العالم حينئذٍ متفرجًا، على صراخ السوريين قهرًا وألمًا، ولم يكترث لهم، فهل سيكترث لمصير درعا المنتظر؟ باختصار: الكارثة مستمرة في كل سورية، قبل درعا وبعدها، مناطق كثيرة على قائمة انتظار المجرم، وما حققه الأسد، بدعم موسكو وحلفائه الآخرين، مختلف كليًا عن بيع الأوهام للسوريين ممن يدّعي أنه في صف قضيتهم.

المفارقة المحزنة هنا أن النظام يدكّ درعا، ويهدد إدلب وبقية الأرياف شمالًا، وما كان يذكر سابقًا، من تهديدات ووعيد بتنفيذ مجازر قبل درعا، تحقق، وقُضمت كثير من المناطق، ويظهر أيضًا أن جبهة النظام كتلة واحدة متحدة متراصة لتنفيذ الهدف والأجندة، بينما جبهة الشعب السوري تتعرض، يومًا بعد يوم، للخذلان والطعن من أقرب حلفائها.

مهما كانت شراسة المؤامرة وأدواتها؛ فقد استطاع السوريون منذ البداية التعرف إلى قاتلهم وعدوهم، وعرفوا من يريد تصفية قضيتهم في نيل الحرية، ليبقى حفظ الأمل وإدامة العمل جوابًا مدويًا، لصون الأهداف النبيلة لنيل الحرية وإسقاط طاغية، أصبح ميراث السوريين، من هذا الهدف تحديدًا، ثقيلًا وضخمًا لا يمكن التخلي عنه أو رميه بعيدًا من تضحياتهم. حق السوريين في التحرر من الطاغية لن يسقطه كل تخاذل العالم، حتى لو سيطر الأسد على درعا وإدلب، بمجازر أضخم من تلك التي مررها عار العالم، فإنهم لن يوقفوا مظاهر حدادهم، ليشاركوا السفاح فرحه في مأتمهم الجديد في درعا.