ملهاة الدستور السوري الجديد

تمخّض مؤتمر سوتشي، برعاية التحالف الثلاثي: الروسي – التركي – الإيراني، عن نتيجة متواضعة: اقتراح إنشاء لجنة دستورية لكتابة دستور سورية القادمة، وتكليف المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا بتشكيل هذه اللجنة، من بين مرشحي النظام والمعارضة، وأسماء أخرى يحدّدها هو من بين أعضاء منظمات المجتمع المدني العاملين معه.

تمّ تفعيل تشكيل اللجنة المشار إليها في اجتماع أستانا الأخير، وقدّم النظام قائمة المرشحين الخاصة به لروسيا وإيران، في حين لمّا تتفق المعارضة على اختيار مرشحيها بعدُ. يجري ذلك وسط تجاهل من قِبل دول التحالف الغربي، التي تبدو غير معنية بما كان قد انبثق عن مؤتمر سوتشي الوحيد، وهي تكرّر، من وقت لآخر، مواقفها التي تتمسّك بمسار جنيف للحلّ السياسي.

إنّ الحديث عن الدستور فقط، عوضًا عن المرحلة الانتقالية الشاملة التي أُقرّت في (جنيف 1)، والسلال الأربع التي تم إقرارها في مؤتمر (جنيف 2): الدستور ومؤسسات الحكم والانتخابات والإرهاب، يعدُّ تقزيمًا سياسيًا ونتيجةً هزيلةً لا تضع سورية على الطريق الصحيحة للخروج من أزمتها، وتهدّد بإعادة إنتاج هذه الأزمة.

لم يكن ليحدث ذلك، لولا التحولات الدراماتيكية التي حصلت بعد عام 2012 على هامش ثورة شعبية للتخلص من الاستبداد، وتجلّي واقع الحرب الأهلية والحروب المُدارة من الخارج، بما في ذلك ظهور الإرهاب والحرب عليه، ففي مثل هذه الحرب لا تعود مقولة “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى” صالحةً تمامًا، وتصبح النتائج السياسية محدودةً، إذا ما قورنت بحجم الضحايا والتضحيات، وهذا ما يمكن استشرافه من واقع سورية الحالي.

صحيح أن الوصاية الدولية أصبحت واقعًا، ولا تقتصر على جمع السوريين لكتابة الدستور فقط، وستتدخّل دول أستانا في محتوى الدستور ذاته، على نحوٍ مباشر أو من خلال الانتقاء من بين أسماء المرشحين، قبل تسليمها إلى السيد دي ميستورا. وكي نبقى على أرض الواقع، فليس ثمة مخرج آخر، نظرًا إلى ارتهان الجميع لإرادة الخارج، وفرض شخصيات غير منتخبة أو مشهود لها بالكفاءة لكتابة دستوره -بسبب ظروف الحرب أو الظروف التي أنتجت الحرب ذاتها- في حين كانت المعارضة الديمقراطية في حال من الضعف والتشتُّت، بحيث لم تتمكّن من جمع السوريين والحدّ من صورة الاستقطاب السائدة في المشهد المتشظّي.

انطلاقًا من واقع الحال هذا، ستكون الوصاية ضرورية للخروج من عنق الزجاجة، وكل ما نأمله، ويجب أن نسعى إليه، أن تحوز هذه الوصاية على إجماع دولي من خلال قرارات أممية، وليس من قبل دول أستانا فقط. فما الذي يمكن أن تقدّمه هذه الدول لدستور سورية الجديد، منفردةً أو مجتمعة؟

فروسيا، مثلًا، انطلاقًا من طبيعة نظامها الرئاسي شبه القيصري، ستدفع باتجاه كتابة دستور علماني بنكهة لا ديمقراطية، وتكريس نظام رئاسي يلبّي احتياجات “البوتينية السياسية” للهيمنة على “سورية المفيدة”، وفي نهاية المطاف، إنتاج نظام أقرب إلى الحالي مع تعديلات شكلية لا تمسّ الجوهر، ولو أنّها قد تحدّ من السلطات الرئاسية الحالية شبه المطلقة، لكن مع بقائها بالحدّ الكافي لتمرير المصالح الروسية.

تلتقي تركيا مع روسيا، في تفضيل النظام الرئاسي في سورية، الذي يلائم طموحات الرئيس أردوغان وحزب (العدالة والتنمية)، لمحاولة الخروج، تدريجيًا، من عباءة العلمانية الأتاتوركية. ولن تعارض تركيا أسلمة الدستور، بما يرضي حلفاءها الإسلاميين، بخاصة الإخوان المسلمين، ولا يتناقض ذلك في المضمون مع رغبة النظام، الذي يحاول تجديد تحالفه مع إسلامييه هو.

أما إيران، دولة الولي الفقيه الأوتوقراطية، فلا يمكن أن يخرج جديدٌ من عباءتها المذهبية، وهي تفضِّل حكمًا تابعًا كليًا لتمرير مصالحها وإلحاق سورية بمشروعها. هذا الحلم الإيراني دونه المزيد من العوائق، فإيران، في الواقع، هي الطرف الأضعف بين أطراف تحالف أستانا الثلاثة، وقد وجّه الروس صفعات سياسية مؤلمة للإيرانيين، بسكوتهم عن ضرب “إسرائيل” لمواقعهم، والضغط المتزايد عليهم لسحب ميليشياتهم من جنوب وغرب سورية، خدمةً للمصلحة الإسرائيلية.

بالمحصلة؛ تتلاقى رغبات الدول الراعية الثلاث في تكريس نظام حكمٍ رئاسي في سورية، إلى هذه الدرجة أو تلك، وبصيغة لا تختلف عما هو موجود حاليًا، بحيث تتأمّن مصالحها، منفردةً أو مجتمعةً، بعيدًا من المصلحة الوطنية السورية وضدّها.

في الواقع المعاش، السوريون منقسمون بين روسيا وتركيا على نحو أساس، إذ لكل دولة “جمهورها” السوري، بغياب الوطنية السورية حاليًا أو ضعفها، بينما يكاد النفوذ الإيراني يقتصر على أوساط نخب السلطة، المنقسمة، على نحوٍ عام، بين إيران وروسيا.

ولا يبدو التحالف بين الدول الثلاث الراعية لمؤتمر أستانا في حالة مستقرة، وإمكانية انفراطه ليست تنبؤًا وحسب، وقد ينعكس ذلك أيضًا على تعاون الدول الثلاث في موضوع الدستور السوري؛ فالخلافات الروسية – الإيرانية تتصاعد، ولا يمكن إبقاؤها وراء الكواليس. كما برز مؤشِّر جديد على رغبة تركيا في النأي بنفسها عن التحالف الثلاثي، إذ هدّد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بالانسحاب من التحالف، إذا استمر النظام في الهجوم على إدلب، وهذه الرسالة موجّهة، تحديدًا، إلى روسيا.

تأتي تصريحات الوزير التركي، بعد توقيع اتفاقية (منبج) مع الولايات المتحدة، وزوال التوتّر الذي وسم العلاقات الأميركية – التركية في السنوات الأخيرة. وبالفعل، تقلّصت فرص التعاون التركي – الروسي في سورية، بعد أن حصلت تركيا من حليفها الروسي على نفوذ مهمّ، في مناطق واسعة من شمال سورية، ما كانت لتحلم به من تحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية.

الحديث عن الدستور السوري الجديد، أو تعديل دستور 2012، لن يسفر عن شيء ذي معنى، ما لم يرتبط بمجمل العملية السياسية الانتقالية في سورية، التي تتطلب توفر إرادة دولية حقيقية لتحقيقها، والانتقال بسورية إلى مرحلة جديدة، يمكن للشعب أن يعبّر فيها عن رأيه ويختار ممثليه بحرية، من دون ضغوط ووصاية قوى الأمر الواقع، وقد منحته تجارب السنوات السبع الماضية والقاسية الكثيرَ من الخبرات التي لا بدّ أن تنعكس في خياراته المستقبلية.