هموم ثقافية

مثقفو الهدم

هل يجب على المثقف العربي أن يقبل بالسؤال المطروح عليه، حول بدائل الثورات العربية، أو بدائل طغاة دمّروا البشر والحجر؟ في ظننا أن هؤلاء الذين يطرحون هذا السؤال يستمرون في لعبة واضحة، ويخلقون مسارًا تبريريًا مُدمرًا، حول دور الثقافة والمثقف، والارتماء في مؤسسات السياسي، ولعب دور غير دوره في مجمل الثقافة الوطنية ودورها التاريخي.

دور الثقافة ليس سهلًا في تمهيد الأرض، وشحذ العقل ليكون ثائرًا على الخنوع الذي أصبح هو المطلوب كوصفة رسمية، للمضي في مشروع منهزم، بحيث يتبنى هذا المثقف أسئلة متنوعة ليطرحها على الشارع من ربوات عالية، مؤكدًا استحالة البدائل هنا، وإمكانها هناك، بعيدًا عن ربوات وصوامع سياسية وثقافية. فلنركز أكثر على الترامبية وشؤونها وجدلها الدولي، يقول لسان حال بعض حملة الأسئلة.

لنترك ثرثرة متداولة في صالونات الهرج والمرج السياسي، وإعلام الممانعة، عن الخطوات التي أقدمت عليها إدارة ترامب، وننتقل إلى ميادين فعل أخرى. على الأرض، كان كل شيء مختلفًا، مجموعة تراكمات، وخطوات خلقتها الإدارة الأميركية، لنأخذ منها ما تميزت به الفترة الأخيرة من ممارسات متعلقة بالمنطقة العربية، تحديدًا سورية وفلسطين، من المسّ بالمقدسات ونقل السفارة الأميركية للقدس، وقبلها اللغة الناعمة تجاه جرائم الأسد، إلى التهديد تارة بوقف دعم منظمة (الخوذ البيضاء) للدفاع المدني في سورية، وتارة أخرى بالانسحاب من مناطق محتلة في سورية، وإطلاق التهديدات الجوفاء، لمواجهة جرائم مستمرة، مرورًا بوقف دعم (أونروا) واللاجئين، والانسحاب من عدد من المنظمات الدولية، على رأسها منظمة حظر السلاح، ومنظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة و(يونسكو)، واتفاق المناخ وغيرها.

يعلو صراخ مُندد بسياسة ترامب، أو ما تصفه “نخب السياسية والثقافة العربية” بالترامبية المتعجرفة والمتعالية، ليس فقط على القضايا العربية، وفي مقدمتها السورية والفلسطينية، بل الدولية التي تجد لها ندًا قويًا في برلين وباريس ومدريد وعواصم دولية عدة، لكنها تختفي من حناجر النخب العربية، إن تعلق الأمر بندّية تعجرف وتعال مواز، يصدر منذ سبعة أعوام عن نهج الأسدية، عززته ممارسات تمتهن كرامة وقيمة السوريين والفلسطينيين، تجلى معظمها في مجازر ودمار واسع، وزيادة في هرمية الولاء من طبقة المثقفين للطغاة والمجرمين والتصفيق زهوًا بهزيمة الثورة.

إذا دققنا في حالة التعالي والاستهزاء الترامبي، والسلوك المشين حيال قضايا إقليمية ودولية، وطرحنا سؤالًا على المثقف النخبوي الذي تراكمت، عند مخرج عقله وحنجرته، موانع كثيرة، تجعله يُمارس القفز المستمر عن جرائم الأسد الصغير، وقلنا: من هو المستفيد من خطوات ترامب بإدارة الظهر للمجتمع الدولي؟ سيكون جوابه على الفور: “إسرائيل”. ليقفز المثقف مجددًا عن الأسدية ودورها ووظيفتها. أثمة هدية وفائدة أخرى ينعم بها طاغية الشام غير هذه، وهل هناك رواية أخرى يرتشفها مثقفو الأسدية حد الارتواء، عندما يتعلق الأمر بجرائم الأسد ضد الإنسانية في سورية، غير التبرير والإنكار البخس؟

الغبطة بترويج ثقافة سيطرة الأسدية وعقم البدائل، واللواذ الجديد بالترامبية، للتمترس خلفها بنزوعات عنصرية وفاشية، لن تغير صورة المثقف المنكسر والمزور الباهت، الهارب من العصر، والمنبطح عند أكوام الجثث، مستعيرًا تعبيرات رائجة من منهل الأسدية، عن المؤامرة والإرهاب! كان من المفترض أن تزامل الثقافة واقع السوريين، لا أن تُحاربهم وتتعالى على ضحاياهم، زيفًا وتملقًا للسفاح.

تفضي هزيمة الثورات العربية، وفي مقدمتها السورية، إلى مفهوم  يحمله منتقدو الترامبية في سلوكها الإمبريالي، وممجدو انتصارات الأسدية، إلى هدم ذاكرة وطنية وإنسانية، وإلى انكسار مرجعيات ثقافية وسياسية وإعلامية وفنية واجتماعية واقتصادية، عهدت على نفسها حمل ثقافة التزوير، وحمل معول حصد الذاكرة وتدميرها، معول ليس إمبرياليًا، بل حوامله أسدية تدعو إلى حياة غير لائقة بالسوريين والفلسطينيين والعرب، وتزوّر بكل بساطة حق الإنسان في التحرر من الطغيان والاستبداد، والتعلم والكرامة والمواطنة، فهل خلف معول الأسد في الحقل السوري، غير وفرة محصول ينعم به نتنياهو وترامب، ليس فقط على المنابر الدولية؛ بل على الأرض بعيدًا من ربوة المثقف وشرنقته؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق