تحقيقات وتقارير سياسية

الضحايا بحراسة الصمت والقتلة تحرسهم أميركا

منذ أيام قليلة، بعثت وزارة الخارجية الأميركية رسالةً إلى فصائل المعارضة في المنطقة الجنوبية، حثتهم فيها على ضبط النفس، وعدم الرد على استفزازات قوات تنظيم الأسد، حقنًا للدماء وتجنبًا للأسوأ، كذلك نصحتهم أن يُفكّروا في عوائلهم وأبناء شعبهم، لافتة انتباههم إلى أن النظام يحاول استفزازهم بالأرتال العسكرية والتصريحات، لإيجاد ذريعة لمهاجمة الجنوب، وأكدت أنه لا يجب أن نعطيه هذا العذر.

بعد أيام قليلة، فوجئت قيادات الفصائل برسالة جديدة وصلتهم من القيادة الأميركية، تنص على أنها لن تتدخل في درعا، وأنها قد رفعت يدها عن جميع الفصائل، في وقت صرّح فيه السفير الروسي في بيروت بأن روسيا ستدعم العملية العسكرية في جنوب سورية، كذلك أقدمت الحكومة الأردنية على إغلاق حدودها، أمام آلاف العائلات الهاربة من صواريخ وبراميل تنظيم الأسد.

هذه المعطيات وغيرها تؤكد أن العمليات العسكرية التي بدأت تُشنّ على درعا من قبل تنظيم الأسد، تمت بموافقة دولية وإقليمية.

ما ورد في الرسائل الصادرة عن الإدارة الأميركية يُلخّص سياستها تجاه القضية السورية، التي واظبت، عبر سنوات سبع، على ترك القاتل حرًا طليقًا، ليواصل عمليات القتل والإجرام، ضاربًا بكل القوانين الدولية عرض الحائط، بينما لا تجد الإدارة الأميركية إلا أن تطلب من الضحية التزام ضبط النفس، وكأن أميركا باتت دولة عاجزة، ومغلوبة على أمرها، ولا تقوى على لجم نوازع هذا الوحش الأسدي الدموية، ومحاسبته على الفظائع والمذابح التي ارتكبها.

نعم، يطيب لأميركا، وهي الدولة الأقوى في العالم، أن تلعب دور الدولة المسالمة، وأن جلّ همها ينحصر في حرصها على الضحايا، ولذلك هي لا تجد إلا أن تطلب منهم، في الوقت الذي تنهال عليهم القذائف والصواريخ، التحلي بضبط النفس، بل تذهب أبعد من ذلك، حينما ترى أن مسؤولية التحلي بضبط النفس باتت واجبًا على الضحية، وإن كانت تُذبح وتسيل منها الدماء، وما عليها إلا أن تستسلم لمصيرها، ولرغبات قاتلها دون أي اعتراض.

مثل هذه الرسائل التي دأبت السياسة الأميركية على تصديرها لـ “الثوار”، منذ انطلاق ثورتهم، تشي صراحة بأن هذه الإدارة تستلذّ وتستمتع برؤية الضحايا وهم في حالة خنوع، وهذا ما اتضح بشكل جليّ في إعلانها في رسالتها الثانية، برفع يدها عن جميع الفصائل في الجنوب السوري؛ ما يعني أنها تعطي إشارة واضحة وصريحة، لتنظيم الأسد وبراميله، ولطائرات بوتين، بحرق درعا وأهلها.

ما ورد في الرسالتين السابقتين لم يكن أمرًا مفاجئًا، في سياسة الإدارة الأميركية حيال القضية سورية، فطوال سبع سنين، كانت تتعمد بث خطابات ورسائل ضبابية، ويدلّ على ذلك خطوطها الحمراء مع ملف السلاح الكيمياوي، وما أعقب ذلك من إمعان تنظيم الأسد في القتل والتدمير، إذ كانت الإدارة الأميركية، خلال هذه الضبابية، تمرر رسائل واضحة وصريحة، تطمئن فيها تنظيم الأسد، وتشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر، وإن بلغة مواربة، غير أن القتلة والسفاحين يفهمون رسائل بعضهم.

فلو أن الإدارة الأميركية كانت جادة يومًا ما، في أيّ من تصريحاتها؛ لكانت على الأقل قد ردعت تنظيم الأسد، منذ الأشهر الأولى لانطلاق الثورة، عن الاستمرار في القتل، لكن يبدو أنها فعلًا تستمتع وتستلذ برؤية أشلاء الضحايا.

صحيح أننا نلمس بين الحين والآخر، تبدلًا في الوسائل والأساليب التي تعتمدها الإدارة الأميركية تجاه المذبحة السورية، غير أن سياستها وأهدافها لم تتبدل، ومضمون الرسالتين السابقتين يلخص هذه السياسة والأهداف التي تسعى إليها، والتي تؤكد أن تنظيم الأسد، قبل أن يكون رجل روسيا أو رجل إيران في المنطقة، إنما هو رجلها هي، تتركه طليقًا ليذبح ويُشرد المزيد من السوريين، بعد أن وجدت فيه، وفي أعوانه وداعميه، سلاحًا فتاكًا، يحقق مصالحها، ورغبتها في تفتيت المنطقة، بالصراعات الدموية، لتبقى حليفتها “إسرائيل” صاحبة القرار الوحيد، ودون أن يكلفها هذا شيئًا يذكر، سوى أن تُرسل برسائل وخطبات ضبابية وتضليلية.

هذا الاحتفاء بالقاتل، والتسليم بخياراته الإجرامية، والحض على عدم الإساءة لمشاعره، لئلا يستفز ويقدم على قتل المزيد من الضحايا، بحسب المنظور الأميركي، يجعل من الجرائم التي ارتكبها التنظيم الأسدي حدثًا طبيعيًا، ويحول الضحايا والمشردين والمهجرين إلى مجرد تفاصيل صغيرة، ناتجة عن حالة استفزازية.

الطفل الذي اقتُلعت عيناه، اقتلعتا لأنه استفز تنظيم الأسد، فاضطر هذا الأخير إلى رمي براميله على البيوت لتحرق الوجوه والعيون، وهؤلاء الذين هربوا من بيوتهم ودورهم، وغرقوا في البحر، ليسوا إلا كائنات دفعت ثمن استفزازها لتنظيم الأسد. حتى استخدام السلاح الكيمياوي هو عمل مُبرر، حسب فلسفة الاستفزاز الأميركية، فلو أن أبناء الغوطة لم يعلنوا رغبتهم في الحرية، لما اضطر تنظيم الأسد إلى خنقهم بالسلاح الكيمياوي.

إذًا؛ المسألة برمتها هي مسألة ضحايا لم يحسنوا التعامل والتصرف مع قاتلهم، وكما رفعت أميركا يدها من قبل عن القصير والزبداني وداريّا والغوطة وحمص وحماة وغيرها من المدن السورية، وتركت تنظيم الأسد يحيلها إلى خراب ودمار، ها هي ترفع يدها عن درعا، بشكل صريح، انطلاقًا من سياسة الاحتفاء بالجريمة، ومنح القاتل مكانة تحصنه حتى من عتب الضحية عليه، التي ما عليها إلا أن تعتاد الموت بصمت.

أميركا هذه ما هي إلا دولة حارسة للقتلة والسفاحين، وما بقاء الأسد حتى الآن، بعد كل هذا الخراب والدمار والمجازر التي أقدم عليها، إلا لكونه محروسًا من قِبلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق