مقالات الرأي

هل زار أحدكم بيت عائلة سنية؟

بداية، أنا أعرف أنني أجدّف عكس التيار، ولكن لا بدّ من فِعل ذلك، من قِبلي ومن قبل آخرين، ليعرف الناس أن “تيار الطائفية” قد جرفهم بعيدًا عن ضفاف الوطن، وأن على الجميع -إن أمكن- أن يلتفتوا يمينًا ويسارًا، وإلى السماء والأرض، فقد يكتشفون أنه قد تم التغرير بهم، وجرفهم إلى شواطئ صخرية لسحق عظامهم عليها، ورميها في المياه المالحة كي لا يبقى لها أثر.

إن الصمت عمّا آلت إليه أوضاع المجتمع السوري من تمزق، بفعل الاستبداد والجهل وردات الأفعال الانفعالية، يدفع الناسَ إلى مزيد من العداوات والثارات، حتى يكاد أن يصعب تخيل بناء سورية من جديد. وإذا كانت الشركات العالمية قادرة على إعادة إعمار ما هدمته الحرب؛ فإن إعادة إعمار النفوس والعقول في المجتمع السوري لا يمكن أن تتم إلا بواسطة السوريين أنفسهم، وقد تكون إحدى أهمّ قواعد ذلك “الإعمار النفسي” تعرّف السوري إلى السوري الآخر “المختلف”، دينيًا وفكريًا وطبقيًا ومناطقيًا، فهو الطريق الوحيدة التي ستقودنا إلى فهم أنفسنا وبلدنا، وبالتالي بداية طريق البناء.

ولكيلا يبقى كلامي نظريًا، سأورد بعض الحالات، التي يمكن أن تكون مثالًا حيًا على ما قصدته في بداية المقالة.

أبو أوس (أحمد يوسف) صديقُ سجن وحرية، تعرفت إليه في سجن المزة عام 1976. اشتراكي لم تشوهه مهنة المحاماة، بيته يعرف الضيوف أكثر مما يعرف أصحابه. تعرفت ابنته إلى صديق دراسةٍ وتحابّا، في الثمانينيات، سنوات الجمر، التي كانت تشبه أيامنا هذه. في أحد الأيام، جاء لزيارته بعض أصدقاء السجن، وكأنهم على موعد، أكلوا وشربوا وتحادثوا بالشأن العام، ولكنه أدرك أن الحديث لم ينتهِ، فقال: ما وراء قدومكم دفعة واحدة؟

تنطح أكثرهم فصاحة وقال: أبا أوس، نحن هنا لنلفت انتباهك إلى حدث جلل، ربما لم تنتبه إليه، إن ابنتك تحب شابًا “سنّيًا”، واللاذقية كلها تعرف ذلك، وهذا سيؤثر على سمعتك وسمعتنا وسمعة الطائفة كلها، ومن أجل هذا نحن هنا. اكفهر وجه أبي أوس البشوش دائمًا، وقال: هل أنتم اشتراكيون حقًا؟ لماذا كنتم في السجون؟ هل كنتم ضد حافظ الأسد شخصيًا، أم ضد الاستبداد؟

إنكم مجموعة منافقين، تفعلون عكس ما تقولون. أنا من سيزوج ابنتي إلى حبيبها، حتى لو كان من عبدة القرود. ما هي صورة “السني” في عقلكم؟ هل زار أحدكم بيت عائلة سنّية؟

لم يكن أبو أوس وحيدًا في تفكيره، كان هناك آخرون يفكرون مثله، ولكنهم كانوا متفرقين وصامتين، وكان الخوف من أنفسهم ومن “الإسلام” الذي يعادي حافظ الأسد أقوى منهم. وساهم في تضخم حالة الخوف طريقةُ بناء الأحزاب السياسية السرية المعارضة، التي كانت تجمع الناس نظريًا، ولكنها تعزلهم عن بعضهم عمليًا، بذريعة الضرورات الأمنية. بعد ثلاثين عامًا ونيف، كانت شعارات المتظاهرين تعبيرًا عن أحلام صديقي وأحلامنا جميعًا: “الشعب السوري واحد”، ولكن سرعان ما أدرك النظام وبعض الجماعات المناوئة له، أهمية تحطيم هذا الشعار وغيره، ليحل مكانه عبارات أخرى: “العلوي ع التابوت والمسيحي على بيروت، والسني على الصحراء”، وغير ذلك من الشعارات التي تبعد الناس عن بعضها.

خلال السنوات التي زرت فيها تركيا، لم أسمع من الأطراف الموجودة، وهي التي ترفع راية الثورة، موقفًا ضد الطائفية يوازي موقف المحامي أحمد يوسف منها، بل لاحظت العكس؛ مع تقدّم مجازر النظام، والعسكرة في جانب “الثورة”، كان التحريض الطائفي يزداد ليصل إلى حالات مريعة، وكان الصوت المعارض كذلك خافتًا إلى درجة الانطفاء.

لقد حان الوقت، بل إنه تأخر كثيرًا، للعمل من جديد على وحدة الشعب السوري للحصول على الحرية، فمن دون حرية لا نستطيع نقد أنفسنا ولا نستطيع طرد المحتلين، والانتصار على الاستبداد، ولا نستطيع بناء وطن حتى “لجماعتنا”، فكيف سنبنيه لكل السوريين.

هل زار أحدكم “بيت” سوري مختلف؟؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق