روايتان للكاتبة نارين عمر

صدرت للكاتبة السورية الكردية نارين عمر روايتان: (موسم النزوح إلى الغرب)، عن دار الخليج للنشر والطباعة 2018، و(عناق القلم لفصول الروح) عن دار السكرية 2018 – القاهرة. وفيما يلي مقطع من روايتها الثانية:

الولوج إلى عالم هذه الرواية قد يبدو مقلقًا أو مفزعًا بعض الشيء، في بادئ الأمر، لأن مجرد التفكير في القبور أو بالأموات يثير القلق أو الخشية في النفس والقلب، لدينا نحن البشر، على الرغم من معرفتنا الأكيدة أن هذا العالم هو واقعنا الثاني، بل واقعنا الذي سيدفعنا -فيما بعد- إلى العالم الآخر لنا، وما يسمى العالم الحقيقي، ولكنهما أي “القلق والفزع” سرعان ما يتحولان إلى أمل وتأملٍ، حين نسبرُ أعماق العالم بكل حيثياته وتجلياته.

بدأت أحداثها صدفةً، حين تعطلت بنا الحافلة التي كانت تقلنا من مدينةٍ كبيرةٍ إلى مدينتا الصغيرة، عند مقبرةٍ إحدى البلدات، وخلال تأملي لتلك القبور أدركتُ أنها تحاول أن تبوح بالأسرار التي تُفشى إليها ليلًا، من البشر الأحياء الذين ما يزالون فوق سطح الأرض، خاصة أن امرأة عجوزًا كانت ترثي ابنها الذي رحل عنها منذ سنواتٍ طويلة، وهي تحكي له قصة حياتها بالتفصيل المسهب، منذ لحظة رحيله حتى تلك اللحظة التي تزوره فيها.

معظم قصص هذا العالم حقيقية، استنبطتها من أرض وسماء وضفافي ومسمعي الواقع. الكثير منها كُتِبَت بقلم ذاكرتي المروي من حبر الطفولة وغدير الصبا ومنهل الشباب وينابيع ما بعدها؛ عشتُ أحداثها وعايشتها، البعضُ منها سمعته من أشخاص حقيقيين، يروون أحداثًا حقيقية، القليل منها نُقِلَ إليّ روايةً، ولكن فيها الكثير من الصدق والواقعية.

شخوصها ممَنْ رحلوا، أو ما يزالون يعيشون حتى الآن بيننا، البعض منهم ما يزالون يتجرعُون غصات ما حدث لهم، والبعض الآخر تناسوا وتجاهلوا ما حدث، حتى استطاعوا شطب الكثير من حوادثها من الفكر والذهن.

مؤكد أن الخيال لعب دوره في حبكة القصص والأحداث والحوادث ما أضاف إليها –كما أظن- نوعًا من التشويق والإثارة. حاولتُ أن أكسِرَ حاجز الخوفِ بين عالمنا والعالم الآخر، بين سكان أرضنا وسكان عالمهم، وأن أؤكدَ على وجوبِ التأقلم مع هذا العالم، لأنه ينتظرنا بفارغ الصبر، طال بنا المقام في عالمنا الدنيوي أو قَصُر. فالكثيرُ منا لا يتوانى عن ارتكابِ أكثر الأفعال والأخطاء فداحة وبشاعة، لكنه يظهرُ خوفًا غير معقولٍ وفزعًا مبالغًا فيه، عندما يقفُ على أعتابِ هذا العالم الذي نتحدثُ عنه، أو يضطر إلى زيارته رغمًا عنه، أو لتحقيق مصالح ما، أو لإرضاء آخرين طمعًا في الحصول على مكاسب ما.

أردتُ أن أؤكدَ أن هذا العالم لا يثيرُ الخوفَ والفزعَ فينا، لأن سكانه قد علموا ماهية الوجود وحقيقة الحياةِ أكثر منا، بل يدعوننا إلى المزيدِ من التأمل في أيام عمرنا الذي قد يطولُ أو يقصر.

حاولتُ الولوج إلى عمق الألم والأمل، أتمنى أن أكون وفقتُ في الحد من الألم، وفي غرسِ بعض بذور الأمل والتأملِ في النفسِ والفكرِ والوجْدانِ.

الجدير بالذكر أن نارين عمر بدأت تجربتها الأدبية كشاعرة وقاصة باللغتين العربية والكردية، وصدرت لها مجموعة من الأعمال الأدبية، من بينها بعض الكتب في مجال أدب الأطفال.