أدب وفنون

يوسف وقاص: الترجمة إنتاج جديد للنص.. جماليات اللغة والهدف

الروائي والقاص والمترجم السوري المغترب يوسف وقاص، الفائز في أيار/ مايو المنصرم بجائزة المركز الثاني في مسابقة اتحاد الكتاب الإيطاليين، عن نصه المسرحي (ديوك الحبش التي كانت تفرد ذيولها)، يُعد من أوائل كتاب “أدب المهاجرين” في إيطاليا، وقد صدر له باللغة الإيطالية ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية، تتحدث معظمها عن حياة المهاجرين والعالم السفلي، بأسلوب قريب من الواقعية السحرية والسخرية السوداء.

“منشورات المتوسط” في ميلانو بإيطاليا نشرت له مؤخرًا، ترجمته لرواية (بينوكيو، قصة دمية متحركة) لمؤلفها كارلو كولودي، وهي تعتبر واحدة من الأعمال الكبرى في الأدب الإيطالي، وبهذه المناسبة أجرت معه (جيرون) الحوار التالي، الذي تحدث فيه -أيضًا- عن روايته (في الطريق إلى برلين – المسيرة) Sulla via di Berlino-La marcia، الصادرة مؤخرًا عن “دار كوزمو يانوني للنشر”، ضمن سلسلة “كوماكاريولا Kumacreola– أدب المهاجرين”، وقد كتبها بعد انقطاع طويل دام عشر سنوات أثناء وجوده في سورية، ولم يعاود الكتابة إلا بعد عودته إلى إيطاليا أواخر عام 2015.

آخر ترجماتك، رواية الإيطالي كارلو كولودي (بينوكيو، قصة دمية متحركة). ما العوامل التي دفعتك لترجمتها؟

في رواية (بينوكيو، قصة دمية متحركة)، وفي بقية الأعمال التي اشتغل عليها حاليًا، يبقى الهدف هو نقل أفضل ما يمكن من الأدب الإيطالي للقراء العرب، والحرص على أن تكون الترجمة دقيقة وسلسلة قدر الإمكان، مع أن ذلك غالبًا ما يبدو مستحيلًا، نظرًا إلى التباين في أساليب التعبير بين لغة وأخرى. وفي الحقيقة، منذ أن قرأت هذه الرواية، بالصدفة، وباللغة الإيطالية التي كنت لا أتقنها جيدًا حينذاك، فكرت بأنني يجب أن أترجمها في يوم ما، وإذا أمكن، بالأسلوب الذي كان شائعًا آنذاك. كانت تلك رغبة لا أعرف كيف ولماذا واتتني بذلك الزخم الكبير، إلا أنها بطريقة ما، كانت تترجم طموحاتي التي بقيت حبيسة ظروف، لم تسمح لي بمزاولة الكتابة فترة طويلة، ومن جهة أخرى، كنت أعتبر ترجمة هذه الرواية بالضبط، التزامًا قطعته على نفسي عندما قرأتها لأول مرة، في تسعينيات القرن الماضي، وكان يجب أن ينجز في أول فرصة متاحة، وهو ما حدث لاحقًا، أي بعد أن غادرت سورية في أواخر عام 2015.

وَصَل عدد ترجمات هذه الرواية إلى 240 لغة. برأيك إلى أي مدى تفتح الترجمة عوالم أكثر للنص؟ وكيف ترى ترجمة الأدب عن لغات وسيطة؟

يقول خوزيه ساراماغو، الكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للآداب: “الكتّاب يشكلون آدابهم الوطنية، والمترجمون يوصلونها إلى العالمية”. فالترجمة، بلا شك، لها دور أساس في انتشار النصوص، سواء أكانت أدبية أو علمية أو فنية، وبالتالي يمكن أن تساهم كثيرًا في وصولها إلى أكبر عدد ممكن من القراء. إلا أن ذلك يعتمد قبل كل شيء على الإبداع الكامن في النص، وشهرته تكمن في القصة ذاتها، التي تصلح للكبار وللصغار، وللتجديد الذي أدخله كولودي في الأسلوب وفي الصياغة الأدبية، والجرأة في معالجة مواضيع كانت تعتبر رهابًا في تلك الحقبة، كالتربية والعلاقات الاجتماعية، وقبل كل شيء الاعتماد على الذات في دولة حديثة العهد. يُذكر أن إيطاليا كانت قد توحدت في عام 1860، أي قبل عقدين تقريبًا من كتابة الرواية المذكورة، وكانت تكافح من أجل إيجاد هوية خاصة بها، ويبدو أن بينوكيو كان له بعض الدور في هذا الشأن، وفقًا لما قاله ماسيمو ده أتسيليو، أحد الوطنيين الذين شاركوا مع غاريبالدي في حرب الاستقلال: لقد صنعنا إيطاليا، وعلينا الآن أن نصنع الإيطاليين! وقد أصبحت هذه الرواية، ابتداءً من مطلع القرن العشرين، أيقونة يفتخر بها الإيطاليون، وذاعت شهرتها في مختلف أرجاء العالم، وبعض الفضل في ذلك، يعود إلى الترجمة، مع العلم أن رواية (بينوكيو، قصة دمية متحركة) تحتل المرتبة الثانية، بعد “الكتاب المقدس”، في قائمة الكتب الأكثر ترجمة في العالم.

إلى أي حد يمكن للمترجم أن ينتزع النص من منظومته اللغوية، وينقله بأمانة إلى منظومة لغوية أخرى؟

من الصعب تحديد ذلك، والأسباب متعددة، ومنها كفاءة المترجم وإلمامه باللغة الأصل، واللغة الهدف، وبشكل عام التباين الكبير بين منظومة اللغة العربية ومنظومات اللغات الأخرى، ناهيك عن التطور السريع في مختلف الميادين؛ حيث تتسع المسافة أكثر فأكثر. يبدو الأمر أحيانًا، وكأننا أمام سور لا يمكن اختراقه. ومع افتراض أن ليس ثمة أدب دون أساليب وتقنيات، ولا فن دون نماذج، فليس ثمة معرفة شاملة وعميقة من دون الترجمة، لأنه التفاعل الحقيقي والتبادل الفعلي للمعرفة بين كل شعوب الأرض. والترجمة ليست عملية نقل من لغة إلى أخرى فحسب، إنما إنتاج جديد للنص يحتوي على كل جماليات وتطور وبلاغة اللغة الهدف. أما نقل النص من منظومة لغوية إلى أخرى، فيتطلب جهدًا كبيرًا، كما يمكننا أن نلمس ذلك في كثير من النصوص التي نقلها مترجمون عرب أكفاء من لغات أجنبية مختلفة، ويمكن اعتبارها مثالًا حيًا وناصعًا لما يجب أن تكون عليه الترجمة. ثم، على ذكر الأمانة، أعتقد بأننا إذا أردنا أن نبقى مخلصين تمامًا للنص، فسينتهي بنا الأمر إلى نص ملتوٍ ومبهم. لذا، فإن قدرًا معينًا من حرية التصرف ضروري؛ إذا أردنا أن نحصل في النهاية على نص جميل بلغتنا الجميلة. شخصيًا، أنا أحبذ الإخلاص للروح بدلًا من الشكل، وكما يقول صموئيل بيكيت: “الترجمة تعني المحاولة والفشل، والمحاولة مرة أخرى والفشل بطريقة أفضل وأفضل!”.

ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

المبدأ الأساس الذي أنتهجه هو قراءة النص الأصلي (أحيانًا) واستيعابه بشكل جيد، أو بكلمة أخرى سبر أعماق الكاتب والولوج إلى عالمه، من خلال قراءة سيرته الذاتية والكتب النقدية التي تتكلم عن أعماله، منصفة كانت أم مجحفة، ومن ثم البحث عن أسلوب يوافق، أو على الأقل يقارب، أسلوب الكاتب وطريقته في التعبير وتركيب الجمل. إلمامي بأكثر من لغة، مثل التركية والصربية-كرواتية، يساعدني بعض الشيء في المقارنة بين عدة أساليب ومدى تطور كل لغة على حدة، وإمكانية نقل أو إيجاد مرادفات لتعابير غير موجودة في لغتنا، وهو أمر يعاني منه معظم المترجمين. ونجد في النهاية، أننا أمام نص جديد، يباري أحيانًا النص الأصلي، وبأمانة مقبولة جدًا، وهذا لا يمكن الوصول إليه أبدًا دون بعض التصرف هنا وهناك، مع مراعاة المعنى في كل الأحوال.

 ماذا عن العقبات التي صادفتك في عملك كمترجم؟

إن أبرز ما نصادفه من عقبات نحن -المترجمين العرب- هو القيام بعملين أو ثلاثة في الوقت نفسه، لتأمين لقمة العيش، وبالأخص، بعد هذا الشتات الهائل في بقاع الأرض، دون إيراد يذكر سوى الاعتماد على الذات. إلا أن هذا الأمر بحد ذاته، أصبح يشكل حافزًا كبيرًا لنا، للنهوض على كافة الأصعدة. مع ذلك، أعتبر الترجمة (والكتابة أيضًا) مهنة رائعة، لأنها تتيح الاتصال المستمر مع الثقافة، مع الأبحاث من مختلف الأفرع، ومع الاستخدام المهني للغات.

أما بالنسبة إلى العقبات الأخرى، فإن أصعب النقاط في أي نص، هي تلك التي تضطر فيها إلى الاختيار بين عدة حلول، عندما تواجه مقولة أو تورية تحمل أكثر من مغزى. في هذه الحالة، أحاول -دائمًا- أن أعثر على أفضل حلّ ممكن من دون الإخلال بتماسك النص.

أريد الانتقال إلى بداياتك في الكتابة والترجمة، وكيف تطورت مسيرتك؟

بداياتي في الكتابة تعود جذورها إلى مكبات المجتمع الرأسمالي، المكان الذي تعلمت فيه أبجديات القسوة والعراك المستمر مع الحياة، ضمن ما يسمى العالم السفلي، الذي كان حينذاك (ولا يزال) مصيدة لكثير من المهاجرين، ممن كانوا ينامون في المصانع والحدائق وعربات القطارات المهجورة. والقصة الأولى التي كتبتها باللغة الإيطالية مباشرة، كانت مستوحاة من تلك البيئة، مثلها مثل كل القصص التي كتبتها في أماكن كنت أعتبرها مهدًا لأجمل سريالية ابتدعها الإنسان حتى الآن، إذا ما استثنينا منها حروبنا نحن فقط. ولم يكن صدفة أن يكون عنوانها (أنا مغربي بحرفي الكاف)، حاولت فيها، عبر بنية دائرية، الدفاع عن إخوتنا المغاربيين الذين كانوا يعانون، أكثر من غيرهم، أحكامًا مسبقة من قبل المجتمع المضيف. والتطور، في حقل الكتابة، ثم الترجمة، مر بمراحل متقطعة، مع انتكاسات ذات طبيعة جيو-سياسية واجتماعية، وبالطبع مادية. وقد صدر لي، باللغة الإيطالية، منذ عام 2002، ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية. كتاباتي، وكتابات زملائي، تُصنف هنا ضمن “أدب المهاجرين” في إيطاليا، وبدأ النقاد مؤخرًا يعتبرونه رديفًا أو جزءًا من الأدب الإيطالي، أي باختصار، سمحوا لنا بالدخول إلى فضاء الأدب الإيطالي الرحب، إنما من “نافذة صغيرة جدًا!”.

مَن من المترجمين العرب تستمتع بقراءتهم؟

حتمًا ثمة مترجمون يبدعون وآخرون ربما لا يتمكنون، لسبب أو لآخر، من الوصول إلى ذلك المستوى الفني واللغوي، إلا أن ذلك لا يمكن أن يقلل من شأنهم، فالجهد واحد، ولا أعتقد أن أي مترجم، لا يبذل كل ما لديه، لإنجاز عمله بأفضل شكل ممكن.

هل ثمة كتاب كنت تتمنى ترجمته ولم تفعل؟ وكتاب أو نص ندمت على ترجمته، ولماذا؟

طموحات المترجم كثيرة وكبيرة، إلا أن الوقت لا يفي بالحاجة، وفوق كل شيء، الخيارات تبقى دائمًا مرهونة بظروف شتى. ما كنت أتمناه حقًا، هو أن أترجم بعض أعمال الكاتب التركي أورهان باموق وغيره من الكتاب الأتراك، الناشئين والقدامى، وربما يمكنني تحقيق ذلك في الفترة المقبلة، إذا لم تخني الحاجة إلى ممارسة أعمال أخرى، مثل طلاء البيوت أو ترجمة وثائق قانونية في المحاكم، وغيرها من الأعمال التي تشعرنا، بطريقة ما، أن الحياة لا تبخل على أحد!

في الحقيقة، بما أن نشاطي يرتكز على الكتابة أكثر من الترجمة، لم يصدف -حتى الآن- أن ندمت على كتاب ترجمته، أو على أي عمل قمت به، فكما أسلفت، تعلمت مبكرًا جدًا أن الاستغراق في النظر طويلًا إلى الخلف، لا يؤلم الرقبة فحسب، إنما يضعضع الكيان أيضًا، ويقودنا إلى متاهات نحن بغنى عنها.

كثيرًا ما يكون المترجم روائيًا أو شاعرًا، أو صاحب أسلوب في الترجمة، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟

هي علاقة غامضة وحميمية في الوقت نفسه، مع صدام يشبه ما يمكن أن نسميه لعبة التضاد، أو التناحر على وقع أقلام ومحابر، عندما تخامرك فجأة فكرة لا تعرف أين كانت مختبئة طوال تلك الفترة، فلا تعرف أي طريق تتبع، وتواسي إحباطك في حساب سريع، يضعك بالفعل في مأزق: أيهما أجدى: تسديد الفواتير، أم الانتظار ريثما تجد روايتك في قائمة الكتب الأكثر مبيعًا؟

يرى ت. إس. إليوت أن “على النص المترجم أن تعاد ترجمته كل عشر سنوات، فالترجمة اقتراح ومقاربة وليس من ترجمة يمكن وصفها بالنهائية”. وأن “الترجمة تشيخ كالإنسان، لكنها على خلاف الإنسان يمكن إحياؤها”. كيف ترى الأمر من منظورك؟

أعتقد أن إليوت محق في قوله هذا، إذ يكفي أن نلقي نظرة على بعض الكتب المترجمة في النصف الأول من القرن الماضي، لنلحظ بوضوح أنها -بحق- تحتاج إلى إعادة ترجمة، لتلبس حلة جديدة تناسب لغتنا التي تتطور باستمرار. على فكرة، هذا الأمر أصبح شائعًا منذ سنوات في الدول الغربية أيضًا، يكفي أن أذكر أن دور النشر الإيطالية قامت مؤخرًا بنشر ترجمات جديدة لكثير من الأعمال الكلاسيكية، من بينها رواية (موبي ديك) لهيرمان ميلفيل، التي صدرت لها 16 ترجمة منذ عام 1932، حيث ترجمها لأول مرة الشاعر والكاتب الإيطالي الكبير تشيزَرِهْ بافيزِهْ.

 أتوقف معك عند روايتك (في الطريق إلى برلين- المسيرة)، من أين ولدت فكرتها، وكيف تقدمها لنا؟

رواية (في الطريق إلى برلين) تتألف من كوابيس حقيقية عن الحرب، وتتحدث عن قافلة من اللاجئين في طريقهم إلى ألمانيا، يقودها (ميلاد بن كنعان)، بطل الرواية. إنها رحلة “ذهنية” مضنية، تقودهم بطريقة لا مفر منها إلى التعامل مع ماض يبدو وكأنه أصبح عبئًا علينا، وحاضر متأزم ومقلق، في سعي حثيث، وربما خاو أيضًا، لإدراك جذور كل تلك الوحشية التي دفعتهم، مع مئات الآلاف من الأشخاص، إلى الهجرة من أرضهم والبحث عن مأوى في بلدان أخرى.

إنه سيناريو مريع، يتأرجح بين الحاضر والماضي، ويتغير من فصل لآخر، في بنية دائرية ومجزئة، حيث دلالات وأداء الشخصيات تتغير باستمرار، وتُسند إليهم، في كل فصل، أدوار جديدة تعكس حقبة تاريخية معينة أو حدث راهن. ميلاد (دي كورينثو) خلال معركة “ليبانتو” التاريخية، بين أسطول الرابطة الأوروبية والأسطول العثماني، أو ميلاد (بوغدانوفيتش) في الفصل الذي يروي حادثة صفقة من الأسلحة لم تُسدد قيمتها للمهربين الروس. هما مثالان فقط لهذه التحولات التي تهدف إلى تسليط الضوء على مجريات حرب ضعضعت بشدة البنية النفسية الهشة لجميع الشخصيات.

(نادية) السورية، مثال آخر لهذه التحولات المتكررة بين كونها ضحية، ومحاولاتها المستمرة، وسط تقلبات عاصفة، التخلص من المعاناة التي تعرضت لها على أيدي الجلادين، كل ذلك ضمن بيئة لا تهمل جوهر السلوك الإنساني، والخفايا التي تدفعه -أو بالأحرى تجبره- لأن يتعامل مع الواقع بطريقة جنونية. مع ذلك، دور (عادل) -الأنا الأخرى لبطل الرواية، ميلاد بن كنعان- يعكس في هذه الرواية، ويلخص بأمانة هذه الحرب العبثية وما وصلت إليه من بربرية غير مسبوقة، تفوق حتى أكثر الخيالات جموحًا. وبالفعل، تصرفات وأفعال (عادل)، ما هي إلا تماه مع عنجهية أمراء الحرب (الحكيم الأعظم، الحاخام، كمال، نيناد بافلوفيتش…)، الذين يفرضون منطقهم الشاذ على الوضع برمته، منذ أكثر من سبع سنوات، وذلك باستخدام كل الوسائل الممكنة، من التعذيب إلى الإبادة الجماعية، وأخيرًا، وليس آخرًا، التغيير الديموغرافي.

خلال هذه الرحلة الأسطورية، أبطال الرواية، بعد اجتيازهم حلقات مختلفة من الجحيم، كما في (الكوميديا الإلهية) لدانتي، غالبًا ما يقابلون وجهًا لوجه أحداث وظواهر غامضة، مثل التقائهم بكتيبة من المحاربين البدو، عالقين بين جدران جبال لا يمكن تجاوزها، أو نبوءة المعركة الأخيرة ضد “الصليبيين” التي كان من المفترض أن تجري فصولها الدامية في قرية دابق، شمال مدينة حلب. وفي إطار استدعاء الماضي دائمًا، هنالك حيز أيضًا للوجود الفرنسي، حيث بقيت سورية فترة تحت انتدابها المباشر، عبر (مدام هنرييت) وفتياتها، كما يتصورها الخيال الشعبي: حب وكراهية، مع حنين يزداد أو يتقلص تبعًا لمعدلات القمع المُمارس من قبل السلطات المحلية.

وباللجوء إلى الحكايات الشعبية المتداولة في الشمال السوري، مثل (ثوب ريبيكا السحري) -وهي حكاية مستوحاة في الأصل من ملحمة غنائية تروي قصة الشاعر والمطرب التركي الجوال (عاشق كريم) مع محبوبته (أصْلِهْ)، ابنة قس أرمني- تعرج الرواية -أيضًا- على القضية الفلسطينية التي تُشكل جزءًا لا يتجزأ من نضال الشعوب العربية في سبيل نيل الحرية وبناء مجتمع مدني يسوده العدل والقانون. بالنتيجة، الفصول الثمانية والعشرين لهذه الرواية، تبدو مثل قطع أحجية معقدة، لا يمكن تجميعها دون قراءتها جميعًا، ليجد القارئ نفسه، عدا النهاية المفاجئة، أمام لوحة متكاملة أرادت من خلالها تقديم هذه الحرب بأسلوب متجدد وغير مألوف.

سؤال أخير، ماذا تترجم الآن، وهل هناك مشروع روائي قادم؟

انتهيت منذ فترة من ترجمة مجموعة قصصية لكتّاب مهاجرين يعيشون في إيطاليا ويكتبون باللغة الإيطالية. وأهمية هذه المجموعة، التي ستصدر قريبًا عن “دار نشر المتوسط” في ميلانو، أنها غنية بأصوات وألوان ورؤى متعددة لكتاب ينتمون إلى ثقافات مختلفة. وكان الهدف من ترجمتي لهذا الكتاب، تعريفَ القارئ العربي بهذا الأدب الذي بدأ يحظى منذ فترة باهتمام النقاد في إيطاليا، وفي أوروبا بشكل عام، وبالأخص في الدوائر الأكاديمية، للتنوع الكبير في المواضيع التي يطرحها ويعالجها، من ضمنها مشكلة اللاجئين طبعًا، والحروب العشوائية التي لا تزال تنكل بأبناء العالم الثالث.

من جهة أخرى، أشتغل -أيضًا- على ترجمة كتاب (قصة القصص) لجامباتيستا بازيلِهْ، وهو من الكتب الأدبية المهمة في التراث الإيطالي، وكان الأخوان غريم قد “استوحيا” جميع قصصهم منه، وهو ما فعله -أيضًا- الكاتب الفرنسي شارل بيرو، في مجموعة (حكايات من الماضي) التي نشرت عام 1697، مع العلم أن كتاب بازيلِهْ كان قد صدر لأول مرة في إيطاليا عام 1636، وهو معروف -كذلك- باسم “البنتاميرون” (الأيام الخمسة)، أسوة بـ “الديكاميرون” (الأيام العشرة) لجوفاني بوكاتشو. وفي الوقت نفسه، أتابع كتابة الجزء الثاني من رواية (في الطريق إلى برلين)، وستصدر لي قريبًا مسرحية باللغة الإيطالية بعنوان (ديوك الحبش التي كانت تفرش ذيولها)، وقد نالت الشهر المنصرم جائزة المركز الثاني في مسابقة اتحاد الكتاب الإيطاليين، وهي تتحدث عن مجموعة من السجناء يقومون بالتحضير لمسرحية مستوحاة من ملحمة (القدس محررة) للشاعر الإيطالي الكبير توركواتو تاسو، فتختلط عليهم الأمور بين الأدوار التي يؤدونها والجرائم التي ارتكبوها في الخارج!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق