مقالات الرأي

سورية ومسألة الدستور الهزلية

طُرحت قضية صياغة دستور جديد في سورية، بوصفها إحدى الوسائل الضرورية للحل السياسي، وكان هذا الأمر حاضرًا في جنيف وفي أستانا، وليس هذا فحسب، بل إن الروس قدّموا مشروع دستور لسورية، فضلًا عن قيام بعض المثقفين بطرح مشاريعهم للدستور الضروري الذي يُخرج سورية من خرابها، وكأن جوهر القضية السورية يكمن في دستور كان رديئًا، وتحتاج إلى دستور جيد!

ولعمري، إن من الخداع والكذب والدجل السياسي الاعتقادَ بأن العلة في سورية قائمة في الدستور، والاعتقادَ بأن كتابة دستور جيد ستخرج سورية من مأزقها؛ لأن الحقائق، مع وعي زائف كهذا، تُزيّف لإخفاء جوهر القضية السورية. ولتأكيد ما أذهب إليه، دعوني أنظر في الدستور السوري الحالي، لأثبت للقاصي والداني أن المشكلة في سورية ليست مشكلة دستورية.

يقول الدستور إن “الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية ذات سيادة تامة، غير قابلة للتجزئة، ولا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها، ونظام الحكم في الدولة نظام جمهوري. السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها، وتقوم على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب. يمارس الشعب السيادة ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور.

يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطيًا عبر الاقتراع. الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وأمنهم. المواطنة مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون. المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين. لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية، بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير كافة. تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام واستقلاليتها وفقًا للقانون. للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلميًا والإضراب عن العمل في إطار مبادئ الدستور، وينظم القانون ممارسة هذه الحقوق”.

إذا عرفنا سورية في الدستور الذي يحكم نظريًا سلوك الدولة؛ فسنجد:

سورية دولة ديمقراطية ذات سيادة، السيادة للشعب، والحريّة حق مقدس، والدول تحافظ على الحرية والكرامة. وهي دولة تعددية، تقوم السلطة على الاقتراع، المواطنون متساوون بمعزل عن كل شيء، فهي إذًا دولة علمانية، الإنسان حر في الإعلان عن رأيه بكل الطرق، للمواطنين حق الإضراب والتظاهر.

هل يمكن لسلطة فيها هذه البنود الدستورية أن تمنع الحريات بكل أنواعها، تهدر كرامة الناس، تُطلق النار على المتظاهرين، تسجن المعارض وتقتله في السجن، حكم الرئيس فيها مطلق، وعصابة حاكمة تسري فيها روح سرايا الدفاع بكل همجيتها وتطيح بالسيادة الوطنية؟ الجواب النظري، طبعًا، لا، لا يمكن. ولكن الذي حصل عمليًا هو ما أشير إليه من سلوك.

إذًا؛ العلة لا تكمن في الدستور، مع الإقرار بأهمية وجود الدستور الضامن للحرية والكرامة والديمقراطية والتعددية، وحرية تكوين الأحزاب والنقابات.. إلخ.

العلة، يا أصحاب الدساتير الجميلة، تكمن في جماعة ذات عصبية سلطوية متعصبة، جاءت إلى السلطة بفضل انقلاب عسكري، واستمرت بفضل قوة عسكرية وأمنية، وهمها الوحيد هو البقاء، مهما كلّف الوطن هذا البقاء من دمار وقتل.

فِي ضوء هذه الحقيقة، يجب النظر إلى الخلاص السياسي السوري. وعندي، لَو أن دي ميستورا وبوتين والعالم كله فرضوا على النظام أرقى دستور معاصر مع بقاء بنية النظام التعصبية الدكتاتورية؛ فإن ذلك لن يجدي نفعًا أبدًا.

أما المثقفون المخلصون الذين صاغوا مشاريع الدساتير المقترحة، أو من هم في سبيل صوغها، فلهم أجر عند الشعب الذي يحتاج إليهم للوقوف معه، في كفاحه من أجل الحرية والكرامة، بكل وضوح وصرامة وشجاعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق