قضايا المجتمع

توسيع الفرص الاقتصادية للاجئين السوريين والمجتمعات المحلية المضيفة

وصل الأثر الإنساني والاجتماعي والاقتصادي للحرب في سورية، وقد دخل عامه الثامن، إلى مستويات غير مسبوقة. في حين أن سورية تواجه خسائر بشرية مدمّرة، وانتكاسات على مستوى التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.

قال المتحدث باسم المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سكوت كريغ: إن تقريرًا إحصائيًا للأمم المتحدة أظهر أن 60 بالمئة من اللاجئين السوريين يعيشون في حالة فقر شديد (70 بالمئة من معدلات فقر مفرطة –  68 بالمئة من اللاجئين في لبنان، مقابل 37 بالمئة في مصر، و54 بالمئة في الأردن)، وعلى الرغم مما للاجئين من معدل مشاركة في القوة العاملة مشابه لمواطني البلدان المضيفة، فإن معدلات البطالة في صفوفهم أعلى بكثير. ويعاني عدد كبير من السوريين بسبب البطالة، إلا أنه لا توجد إحصائية دقيقة حول نسبة بطالة الشباب السوريين اليوم، وإن كانت التقارير تشير إلى نحو 70 بالمئة كحد أدنى عاطلين عن العمل، لكن هناك توقعات تفوق نسبة 80 بالمئة، عند اللاجئين السوريين في دول الجوار. كما تؤكد الدراسات أن أزمة اللجوء أثرت في أسواق العمل في الدول المستضيفة للاجئين السوريين، مما زاد نسبة البطالة فيها.

ومع تنامي التوترات الاجتماعية، تبحث الحكومات المعنيّة، بمساعدة المجتمع الدولي، عن وسائل جديدة لحماية الاستقرار الداخلي الهش في بلدانها، والحد من الأثر السلبي لهذه الأزمة على المنطقة برمتها. وتؤكد التجارب الدولية أهمية توفير فرص العمل اللائق في الحد من الهشاشة، حيث إنها تؤدي إلى دعم السياسات المشروعة والشاملة للجميع، وتخفف التوترات الاجتماعية بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، وترسي الأسس للعدل والأمان الاجتماعي.

سعى المجتمع الدولي، والحكومات المضيفة، لإحداث تغيير في المعايير المعتمدة للتصدي للأزمة في سورية. وقد حدد “مؤتمر لندن لدعم سورية والمنطقة” المعقود في شباط/ فبراير 2016، هدفًا طموحًا يتمثل في “توفير 1.1 مليون فرصة عمل للاجئين السوريين والمجتمعات المحلية المضيفة لهم بحلول عام 2018”. وتعهدت الحكومات المضيفة بالتزامات جريئة بفتح أسواق عملها وتحسين بيئتها التنظيمية المحلية، وسمح للمقاولين، من اللاجئين والنازحين داخليًا، بإنشاء مشروعات تجارية في مجتمعاتهم المحلية المضيفة.

وفي مؤتمر لندن، تعهّد المجتمع الدولي، ومن ضمنه منظمة العمل الدولية، بتعزيز برامج توفير فرص العمل، من قبيل مبادرة “الشراكة من أجل الفرص”، إضافة إلى توفير فرص الحصول على التمويل بشروط ميسرة والوصول إلى الأسواق الخارجية. وفي هذا الإطار، دعمت ألمانيا توفير ما يزيد على 60,000 فرصة عمل في المنطقة. وتتعاون ألمانيا ومنظمة العمل الدولية تعاونًا ناجحًا لإنجاز شتى المشاريع، في إطار مبادرة “الشراكة من أجل الفرص”، في لبنان والأردن وسورية وتركيا. وتمكن هذه المشاريع اللاجئين والمجتمعات المحلية المضيفة على السواء من إيجاد فرص العمل في إطار هذه المشاريع، وتعمل جميعًا من أجل إصلاح الطرق وترميم البنيات التحتية الأساسية وتنمية سلسلة الأنشطة الزراعية المضيفة للقيمة.

وفي الأردن، ذكر التقرير الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاجئين السوريين على الأردن.. تحويل التحديات إلى فرص، إمكانية تحقيق الاستفادة من “الوضع الراهن”، من خلال تحويل التحديات المرتبطة عادة باللاجئين إلى فرص تساهم في دفع عجلة الاقتصاد للدولة المضيفة، معتبرًا أن أول الفرص الإيجابية لاستقبال اللاجئين هي تأثيرهم في الاقتصاد المحلي. ففي حالات اللجوء الطويل الأمد، يقوم اللاجئون بزيادة السوق الاستهلاكية وخلق أسواق جديدة وجلب مهارات جديدة وفرص عمل وعمالة، قد لا تكون متوفرة في البلد المضيف. الفرصة الأخرى التي تحدث عنها التقرير هي الحاجة إلى تحسين وتطوير البنية التحتية وبعض الخدمات الأساسية، لكن الفائدة الآن أنها في صالح السكان اللاجئين والمجتمعات المضيفة. بعد ذكر العديد من الفرص التي تم خلقها عبر اللاجئين، خلص التقرير إلى أهمية أن تقوم السلطات بتغيير نظرتها إلى اللاجئين السوريين من كونهم عبئًا على الدولة إلى اعتبارهم صانعي فرص للتطوير الاجتماعي الاقتصادي.

إصلاح أنظمة سوق العمل

الأردن وتركيا هما البلدان الوحيدان اللذان عملا بصورة استباقية، من أجل إصلاح أنظمة سوق العمل فيهما لدعم اللاجئين السوريين. وكانت تركيا سباقة إلى وضع إجراءات رسمية لتمكين اللاجئين من الحصول على تصاريح العمل، حيث أصدرت في كانون الثاني 2016 تصاريح عمل اللاجئين المشمولين بالحماية المؤقتة، وتتيح هذه اللائحة للسوريين فرص اللجوء إلى وكالة التشغيل الحكومية التي توفر لهم خدمات مواءمة الوظائف وغيرها من الخدمات.

وفي الأردن، تشكل ثلاثة أنواع من إصلاحات نظم تصاريح العمل عنصرًا مركزيًا، في جهود الحكومة الرامية إلى الوفاء بالتزامات لندن، إذ قامت وزارة العمل بإصدار 94074 تصريح عمل للاجئين السوريين، منذ بداية العام 2016 حتى 20 آذار/ مارس الماضي. وكان الأردن بدأ بإصدار تصاريح عمل للسوريين المقيمين داخل المخيمات، شباط/ فبراير العام الماضي، حيث تم استحداث مكاتب تشغيل وتنسيق داخل مخيمي الزعتري والأزرق، للسير بإجراءات تشغيل وإصدار تصاريح.

تتضمن أنظمة سوق العمل (العمالة البديلة، والبنيات التحتية والأشغال الكثيفة العمالة)، وبرامج سوق العمل النشيطة المصممة لتحسين فرص الوصول إلى سوق العمل القائمة عن طريق توفير المعلومات، أو رفع مستوى المهارات (الوصول إلى المعلومات، وتطوير المهارات)، والبرامج الرامية إلى تحسين المناخ العام للأعمال التجارية أو المناخ الذي يواجه المقاولين المحتملين من اللاجئين، على وجه التحديد (المناطق الاقتصادية والتجارة، وتمكين المؤسسات التجارية).

العمل في البنيات التحتية والأشغال الكثيفة العمالة

طورت منظمة العمل الدولية تدخلات تجمع بين بناء البنيات التحتية أو إصلاحها وبرامج الأشغال الكثيفة العمالة. ولئن كان تحسين البنيات التحتية التي تعاني من ضعف مزمن واشتد عليها الضغط بفعل تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين في بعض البلدان، فإن هذه التدخلات قد وفرت أعدادًا كبيرة من فرص العمل القصيرة الأجل، ولا تلتزم في كثير من الحالات بأنظمة سوق العمل في تشغيلها لمواطني البلدان المضيفة أو للاجئين. وكثيرًا ما تشمل هذه المشاريع عنصرًا لنقل المهارة عن طريق “التعلم بالممارسة”.

وفي الأردن، دعم عدد من المانحين مشاريع البنية التحتية، في إطار التصدي للأزمة، حيث ركزت المشاريع على تحسين الطرق والطاقة والتنمية والصحة وشبكات المياه.

وفي لبنان، نفذت المنظمات غير الحكومية برامج ومشروعات، بالتعاون مع البلديات، لتوفير الأشغال كثيفة العمالة للاجئين السوريين بغية تحديث البنيات التحتية الأساسية من قبيل مشروعات تنظيف القنوات وإدارة النفايات الصلبة المحلية. حيث تم التوقيع على مشروع البنية التحتية الأول في لبنان، من قبل قسم التمويل العالمي الميسر، بشروط ميسرة في البنك الدولي، وهو يتضمن 200 مليون دولار لتأهيل 300 ميل (500 كم) من الطرق باستخدام العمال السوريين واللبنانيين، ولكن التنفيذ تأخّر بعد أن طلبت الحكومة أن توافق هي أيضًا على الطرق المدرجة.

وفي سورية، قامت المنظمات الدولية بإصلاح شبكة المياه وإدارة النفايات الصلبة، من خلال برامج العمالة الكثيفة، هذه البرمجة دعمت الجهات القائمة على التنمية إصلاح المراكز الصحية وشبكات توليد الطاقة.

تطوير المهارات

ومن أبرز أنواع تطوير المهارات المركز على اللاجئين، التدريب المهني الذي تنفذ في إطاره الجهات الإنمائية برامج بصفة مباشرة عن طريق المنظمات غير الحكومية أو الوكالات الحكومية المحلية. وعلى الرغم من أن الوكالة التركية للتشغيل توفر التدريب المهني، بالتعاون مع الصناعة التركية، فإن ثمة 5000 مركز تدريب مهني في الوقت الراهن.

وثمة مبادرة ذات صلة هي “مشروع تبادل المهارات” في الأردن، حيث يتم توظيف السوريين من ذوي المهارات لتعليم الأردنيين الضعفاء “توفير فرص اكتساب وسائل العيش المستدامة بمهارات مباشرة في الأعمال الحرة وتطوير المشروعات الصغرى”. وهناك تدريب متخصص للسوريين، بشأن كيف تدريب غيرهم – حيث يعتمد البرنامج بالتالي على نهج تدريب المدرب. وهذا النهج مشابه للتدريب المهني، من حيث كونه يقدم للسوريين تدريبًا عمليًا على المهارات، لكن الأنشطة تستفيد من المهارات الفريدة التي يملكها السوريون.

دعم رجال الأعمال السوريين

اتخذت الحكومات المضيفة والقطاعات الخاصة المحلية جملةً من التدابير للعمل على دعم توسيع المشروعات القائمة وتشكيل مشروعات جديدة. ففي الأردن، شملت الإصلاحات على المستوى الوطني تحسين مناخ الاستثمار، ومن ذلك إلغاء شروط رئيسية لفائدة المقاولين السوريين؛ وتبسيط إجراءات إنشاء مشروعاتهم؛ وتسريع إجراءات الجمارك، وتشجيعهم على تشغيل السوريين معهم.

وفي تركيا، التي يوجد فيها اقتصاد خاص نشيط، أفادت التقارير بأن سياسة الحكومة تعمل بمقولة “تقبل الواقع ودعهم يعملون”. وهناك ما يزيد عن 15,000 شركة سورية تعمل في مناطق تواجد اللاجئين كما تخطط تركيا، وغرف التجارة وبلدية غازي عنتاب لبناء منطقة صناعية قادرة على تشغيل ما تعداده 150,000 من الأتراك واللاجئين السوريين.

وفي مصر، تفيد التقارير بأن العديد من المشروعات السورية تزدهر وتنقل رؤوس الأموال والمهارات وشبكاتها التجارية السابقة إلى مصر. وقد استغلت المشروعات المملوكة للسوريين الحيز غير المستغل في الهياكل الصناعية القائمة، وتقوم بتشغيل العمال المصريين المحليين إضافة إلى إعالة أنفسهم.

هذا نموذج عمّا يمكن تطويره لتوفير فرص عمل للسوريين، ولعل تصميم المساعدة الإنسانية لتشجيع العمل، يمكن أن يحسن فاعلية مجمل جهود الاستجابة لدعم القدرة على الصمود. فالمساعدة الإنسانية ضرورية تمامًا للتصدي للتحديات القصيرة الأجل والتحديات المستمرة المتوسطة الأجل التي تواجه اللاجئين والمشردين (النازحين) داخليًا والمجتمعات المحلية التي تؤويهم. غير أن المساعدة ليست مستدامة على المدى البعيد. وفي مواجهة أزمة لا تبدو لها نهاية واضحة، يتعين بذل جهود مدروسة، للانتقال من المساعدة الإنسانية القصيرة الأجل إلى مساعدة إنمائية طويلة الأجل، كلما كان ذلك ممكنًا.

تحويل أزمة اللاجئين السوريين إلى فرصة للتنمية

ينبغي على البلدان المضيفة تقبل فكرة أن اللاجئين سيبقون هناك لسنوات عديدة، كما يقول ديركون حيث إن “النموذج الإنساني التقليدي لم يعد صالحًا للعمل بعد الآن”. فتوفير المساعدات الأساسية للاجئين، في الوقت الذي لا يسمح لهم بالاندماج والعمل، يغذي الإحباط في صفوف اللاجئين والاستياء من جانب المجتمعات المحلية المحيطة، بحسب ديركون.

ويشير تقرير جديد “أول دراسة دولية شاملة للسبل التي يمكن للاجئين من خلالها المساهمة في الاقتصادات المتقدمة”، إلى أن “اعتبار اللاجئين عبء اقتصادي هو فكرة خاطئة”. ويستند التقرير إلى إحصاءات صندوق النقد الدولي ويستشهد بدراسات مختلفة عن الأثر الاقتصادي للاجئين، نشرت من قبل أكاديميين من جميع أنحاء العالم. ووفقًا لحسابات التقرير، فإن “بإمكان استثمار يورو واحد لمساعدة اللاجئين أن يحقق 2 يورو كمنافع اقتصادية، في غضون خمس سنوات”.

من الضروري فتح سوق العمل أمام السوريين مع توفير المزيد من فرص التعليم وريادة المشاريع للجميع. حيث يمكن للدول المستضيفة أن تستفيد من العمال السوريين المهرة وغير المهرة. ويمكن الاستفادة من الشركات السورية الساعية للانتقال، وكسب التأييد الدولي لدعم الاقتصاد والبنية التحتية الاجتماعية في الدول المستضيفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق