أدب وفنون

كورال من اللاجئين السوريين يعزفون في حفل أورنينا

“إذا أردت معرفة شعب ما؛ فعليك أن تستمع إلى أغانيه وموسيقاه”، ليست تلك مقولة عابرة، بل مقولة تحمل روح الأرض وصورة المكان، تذكرتها وأنا أستمع إلى فرقة “أورنينا” السورية، حيث طقوس الغناء الشعبي، المحمولة على الصوت والتفرّد في التوزيع الموسيقي، وكأننا أمام تراتيل أصواتٍ أتقنت أن الموسيقى فعل حرية، وحكاية وطن، وأنها هوية في أحد تجلياتها، فكيف إذا كان الغناء الفلكلوري السوري حاضرًا على أحد أهم مسارح أوروبا: لوكسمبورغ، وكنا أمام فرقة تحمل اسم مغنية المعبد السورية (أورنينا)، التي سجل تمثالها لأقدم مغنية على كوكب الأرض “3500 ق.م”، وهي المغنية والموسيقية والراقصة في معبد عشتار في مدينة (ماري) جنوب مدينة دير الزور.

بعد أن انحسر الغناء وارتفع صوت الحرب والدمار، وصار الوطن كلُّه قارب هجرة، أطلق المؤلف الموسيقي والمايسترو شفيع بدر الدين (أوركسترا أورنينا) تلك الأوركسترا التي ضمت مواهب وأعلام في الغناء والموسيقى، مواهب باتت في الشتات، ومنها (السوبرانو لبانة القنطار، والسوبرانو رشا رزق، وشادي علي وعلي أسعد) مدركًا أن تصل الموسيقى والغناء السوري، إلى العالم، ليقول تلك هي سورية، وهو المعروف بهاجس الاشتغال على الموسيقى الشرقية منذ عمله الأشهر “كونشيرتو الناي“.

أخذت فرقة (أورنينا) على عاتقها اليوم، بقيادة المايسترو والموسيقي شفيع بدر الدين، تقديم تراث الغناء السوري، بتوزيع موسيقي خاص، هذا التراث الغني الذي يحمل تنوع الجملة الشعرية والموسيقية، واللغوية، فنجحت الفرقة في حضورها ورسالتها في حفلها الأول “صوت سوريا“، على المسرح الكبير لوكسمبورغ.

واليوم تقوم بتحضير حفلها الثاني تحت عنوان “احتفالية الربيع”، هذا الحفل تقوم به الأوركسترا السورية أورنينا، بالتعاون مع المركز الثقافي السوري (جمعية أهلية مستقلة)، وبالمشاركة مع حركة ضمير، وسينطلق في الثالث عشر والرابع عشر من شهر تموز/ يوليو الجاري، على مسرح لوكسمبورغ الكبير.

حول برنامج الحفل يقول المايسترو شفيع بدر الدين: “برنامج الحفل سيكون مختلفًا قليلًا عن السابق، إذ ستكون هناك مساحة جيدة للموسيقا العربية، من مصر خصوصًا”. وأشار إلى أن “فرقة أورنينا تتكون من موسيقيين سوريين محترفين، إلى جانب مشاركة موسيقيين لوكسمبورغيين، والفرقة مؤسسة ومسجلة بلوكسمبورغ قبل عامين، والحضور فيها سوري بامتياز، بدأت بخمسين شخصًا بين مغن وعازف، وسنتابع في الحفل القادم بنفس العدد تقريبًا”.

وقال: “الإضافة الجديدة في هذا الحفل ما يقدمه كورال اللاجئين من مادة موسيقية، مع أنهم غير موسيقيين، أي لم يتعاملوا من قبل مع الموسيقا، ولكن لديهم الرغبة والإيمان بتقديم ثقافتهم، وبعد تدريبات مطولة كان لهم أداء مثمر، وأنا على ثقة بأنه سيكون كذلك هذا العام”..

وحول المشروع وعلاقته بالمهام، يقول: “أقوم بتحضير المشروع من ألفه إلى يائه، ثم أوكل المهام الإدارية لفريق إداري أشاركه العمل، لكن يكمن عملي الأساسي بتحضير البرنامج وإعداد وتوزيع عمل الأوركسترا، بالإضافة إلى تدريبها وتدريب الكورال”.

وعن خصوصية ما يقدمه، يقول: “أقوم بالتوزيع الموسيقي لغاية جمالية، ولتقديم وجهة نظر مختلفة للمادة الموسيقية التقليدية، أريد القول إن تلك المادة جميلة بشكلها التقليدي البسيط، ويمكن أن تكون كذلك بعد إعدادها أوركستراليًا، الخطورة تكمن في التأثير المباشر على بنيوية المادة الأصلية، وهذا ما أحرص على عدم ارتكابه”.

أما عن العلاقة بين الموسيقى والهوية الوطنية فقد أكد قائلًا: “بالنسبة إلى الهوية الوطنية، فإن الفن يلعب دورًا أساسيًا في تشكيلها، وصياغتها وبالتأكيد للموسيقا دور محوري في هذا. ربما نحن بحاجة الآن إلى مزيد من الفعاليات الفنية، لعلها تمد جسورًا بين السوريين في جهات الأرض”.

وبعودة سريعة، فقد استوقف الحفل الأول الكثيرين، كانت الأصوات والوجوه تشير إلى أسماء طالما سحرتنا بحضورها، فمن منا لم يسحر بصوت السوبرانو رشا رزق، أو مواويل علي أسعد: “أعطيني سفرجل نهودك تروح بيع منها في حلب/ سامع من دمشق الشام عنهم قبل ما تورد الأخبار عنهم/ صحت يا يوم من عنف المصاب”. صوت آخر يأخذنا إلى عمق الوجدان والروح والمعنى، صوت السوبرانو لبانة قنطار، للكثير من الأغاني والتراتيل، وهي المغنية التي أتقنت غناء الأرض والوطن، ومضت نحو العالمية بخطوات الواثق، وهي أول مغنية أوبرا في سورية، وأول مغنية أوبرالية عربية تشارك في مسابقات عالمية للغناء الأوبرالي، وهي –أيضًا- مؤسس فرقة الغناء العربي الكلاسيكي.

ولم يغب عنا صوت السوبرانو رشا رزق، التي انتمت إلى الطفولة أملًا في عالم نظيف، جاعلة من الثقافة الموسيقية ركنًا حقيقيًا في دمج الطفل في مخيمات اللجوء بأوروبا، رشا رزق السوبرانو التي تنوعت ثقافتها الموسيقية بين الجاز والأوبرا، وقامت بتدريس الغناء الأوبرالي في المعهد العالي للموسيقى في دمشق، صاحبة الصوت الملائكي التي تربى جيل التسعينيات وما بعده على صوتها، سمعناها في حفل الفرقة الأول بأغنية “أسقِ العطاش”، إلى جانب حضور شادي علي، بصوته وأدائه المميز، الذي قدّم العديد من أعمال الأوبرا الكلاسيكية والميوزيكال المعاصرة والكورالات الشرقية منها والغربية. كل تلك الأصوات حملت على توزيع موسيقي يتناغم مع الوجدان والروح.

حول الحفل الأول، يقول شفيع بدر الدين: كان بعنوان (صوت سوريا)، وكان البرنامج بغالبيته العظمى موسيقى سورية خالصة، إلى جانب الأعمال الكلاسيكية الشرقية، من موشحات وسماعيات، قدمنا فاصل “اسق العطاش”، وكان موقّعًا بصوت رشا رزق، وكانت المتتالية الشعبية السورية أحد أعمال (صوت سوريا)، قمت بإعداده، بحيث أخذت أغنية من كل منطقة في سورية، قُدمت بروح متكاملة، فيما قدمت فرقة الكورال أغاني باللغتين الكردية والسريانية.

أضاف: “تكمن خصوصية المتتالية الشعبية السورية، بهذه الوحدة الجمالية للموسيقا ككناية وتعبير عن روعة وغنى الاختلاف، حين ينصهر بسياق متماسك، وجاء توقيت هذا العمل، حين ارتفعت أصوات تقسيم سورية، وللأسف ما زلنا نسمعها من وقت لآخر”.

فالتراث ليس مسألة ماضٍ مضى، بل راهن ومستقبل. من هنا تأتي أهمية التراث الموسيقي الغنائي السوري، الذي يعكس التركيبة الثقافية، والتوع الجغرافي، ما بين سهل حوران وجبل العرب، مرورًا بحمص والشام، والغناء الحلبي القدود والموشحات و”اسق العطاش”، الشامي ها الأسمر اللون، الساحلي ودبكة عرب، إلى جانب الكردي والمردلي من القامشلي والسرياني، فلكلور السويداء، والساحل، مرورًا بحماة وسمعت عنين الناعورة، متتالية تنبض بالوجدان والحنين ورائحة المكان.

هكذا نخرج من أوطاننا مرغمين، نخرج حاملين معنا مفاتيح الغناء والموسيقى، وكأنها قيثارة أورفيوس في البحث عن المكان المفقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق