أبحاث ودراسات

السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سورية

من أهم الخصائص التي ميزت نظام الاستبداد المعمم في سورية، كغيره من نظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي، أصوله الفلاحية أو الريفية من جهة، وعمله على توسيع وتضخيم أجهزة ومؤسسات الدولة من جهة ثانية؛ كونه نظامًا قام على أساس تأميم الدولة لصالحه، وكونه نظامًا صعد سياسيًا وطبقيًا، من خلال الدولة، بعد أن قام باحتلالها واحتكارها، وبعد أن دمَج كيانه السياسي والحزبي بكيان الدولة، بكل مؤسساتها وأجهزتها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والعسكرية والأمنية والخدمية والعلمية والتربوية والرياضية والفنية والدينية والنقابية، بعد أن جردها من استقلالها وحريتها المهنية والاجتماعية والطبقية، وألحقها كتابع للدولة والسلطة السياسية.

هذه الخصائص قادت إلى ترييف السلطة والدولة، وإلى ترييف المدن الصغيرة والكبيرة، ولم تسلم حتى العاصمة دمشق من هذا الترييف، بل كانت العاصمة في مقدمة المدن التي تمّ ترييفها، كونها تُشكّل مركز السلطة السياسية ومركز أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة. وكان هذا الترييف نتاجَ سياسة الاستيعاب التي قامت بها الدولة (ومن خلفها السلطة) لأبناء الريف، في مؤسساتها المختلفة الاقتصادية والعسكرية والأمنية… إلخ، وهي السياسة والعملية التي يمكن أن نطلق عليها عملية “ابتلاع المجتمع في أحشاء الدولة الاستبدادية”، كون غالبية المجتمع هم من أبناء الريف (عندما صعد هذه النظام، كان سكان الريف يشكلون ما يقارب 70 بالمئة من عدد السكان)، وعلى الرغم من أن لسياسة الاستيعاب هذه صفةً وسمةً عامةً؛ فإنها اتسمت بطابع طائفي، كما في (العراق وسورية)، أو قبلي وعشائري (اليمن وليبيا)، أو جهوي (السودان والجزائر)، دون أن ننسى العامل القومي، في الساحات التي فيها تعدد قومي، حيث تراكب في كثير من الساحات العامل القومي فوق الطائفي أو القبلي أو الجهوي، لقد كانت الأفضلية والأولوية في سياسة الاستيعاب هي لأبناء العصبية الطائفية أو القبلية أو الجهوية أو القومية التي كان يعمل النظام لتوليدها وإيجادها، بوصفها نقطة ارتكاز اجتماعية تضاف إلى نقطة الارتكاز الطبقية والسياسية التي ترتكز عليها الدولة والسلطة السياسية، وعلى رأسها رأس السلطة السياسية أو رأس النظام السياسي. إن إعطاء أو منح العصبية الطائفية الأولوية والأفضلية، في سياسة الاستيعاب، شكّل الخطوة الأولى والدفعة الأولى ونقطة الارتكاز الأولى والأساسية، في عالم الامتيازات التي ستمنح للعصبية التي بنتها السلطة، أو لنقل شكّل الأساسَ الذي شيد عليه بناء صرح هذه العصبية الطائفية، وقد مرّ هذا البناء حتى اكتملت ملامحه النهائية بعدة مراحل، كما كان له أكثر من وجه وأكثر من مستوى؛ فما هي المراحل التي تم فيها تشييد هذا الصرح الطائفي داخل كيان وبناء الدولة، وما هي الأوجه التي اتخذها وبان فيها في الواقع السوري؟

1 – احتلال واحتكار الأذرع القوية للدولة، وبناء جيش للنظام كبديل عن جيش الوطن: في سياق عمل نظام الاستبداد المعمم لبناء الأذرع القوية لسلطته ودولته، كان من الطبيعي والمنطقي أن يكون من أول أولوياته احتلال واحتكار المؤسسات السيادية القوية في الدولة، أو لنقل كان من أولوياته العمل على تحويل هذه المؤسسات، من مؤسسات عامة تمثل المصالح العامة الوطنية للمجتمع، إلى مؤسسات خاصة تمثل المصالح الخاصة للنظام السياسي، وتحديدًا رأس النظام السياسي، وذلك من خلال وضع اليد على هذه المؤسسات وإلحاقها بشكل مباشر برأس النظام السياسي، وقد كانت مؤسسة الجيش من أولى المؤسسات العامة التي سعى النظام لوضع يده عليها، من خلال تحويلها من مؤسسة وطنية عامة وظيفتها الدفاع عن المصالح العامة للمجتمع، إلى مؤسسة خاصة وظيفتها الدفاع عن المصالح الخاصة للنظام وتحديدًا رأس النظام الذي تتكثف مصالحه الخاصة في العصيان في السلطة إلى أبد الآبدين، ولتحويل مؤسسة الجيش من مؤسسة عامة إلى مؤسسة خاصة بالسلطة ورأس السلطة، فقد كان أقصر وأسهل وأنجع الطرق هو تحويل هذه المؤسسة إلى مؤسسة طائفية أو ذات طابع طائفي أو يغلب عليها الطابع الطائفي، وقد تم هذا التحويل في تركيبة وطابع ووظيفة مؤسسة الجيش، من خلال فتح النظام أبواب هذه المؤسسة على مصراعيها، كما في بقية نظم الاستبداد العربي لأبناء العصبية الطائفية أو القبلية التي أراد الارتكاز عليها، وهي التي ينتمي رأس النظام أساسًا إليها، طائفيًا أو قبليًا.

في الحالة السورية، قام النظام الاستبدادي الذي قاده حافظ الأسد بدءًا من 1970 بإغراق الجيش العربي السوري بأبناء الطائفة العلوية، كما أضاف إلى الجيش تشكيلات عسكرية ذات طابع طائفي علوي صرف، بدءًا بالحرس الجمهوري وصولًا إلى سرايا الدفاع، مرورًا بكل أنواع الأفرع الأمنية والفرق العسكرية الخاصة ذات الطابع الطائفي، إن كان على مستوى القيادة أو مستوى الأفراد.

2 – الاستيعاب الكامل لقوة العمل وتصدير الفائض: صحيح أن كل نظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي سعت لاستيعاب وامتصاص كل ما تستطيع –قدرتها الاستيعابية- من قوة العمل العضلي والفكري لأبناء الأرياف بشكل عام إلى أحشاء الدولة الاستبدادية، من خلال نشرهم على هياكل أجهزتها ومؤسساتها المختلفة الاقتصادية والسياسية والحزبية والعسكرية والأمنية… إلخ إلا أن هذا الاستيعاب والامتصاص لقوة العمل تميز في أن العصبية الطائفية التي عمل النظام على الارتكاز عليها، أخذت منها حصة الأسد، أي تم امتصاص كامل العصبية الطائفية في أحشاء الدولة، ففي الحالة السورية تم إدخال واستيعاب كامل أبناء الطائفة العلوية، بشكل شبه مطلق، إلى أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة إلى الحد الذي قاد، بعد عقود وعقود من قيام النظام الأسدي، إلى دمج كيان الطائفة العلوية بشكل شبه كامل بكيان الدولة (أي بأجهزتها ومؤسساتها المختلفة)، حيث وصل حد الاستيعاب والامتصاص إلى الدرجة والحد الذي تم فيه تصدير الفائض إلى المحافظات والمناطق السورية الأخرى، بعد أن تم إشباع كل مؤسسات وأجهزة الدولة من قوة العمل في المحافظات التي يقطنون فيها –اللاذقية وطرطوس بشكل رئيسي– إلى الحد الذي جعل كل مؤسسة (مدنية أو عسكرية) تابعةٍ للدولة، على امتداد الجغرافيا السورية، لا تخلو من موظف حكومي ينتمي إلى الطائفة العلوية، أو لنقل ينتمي إلى الساحل السوري بشكل خاص، حيث المركز الأساس لوجود الطائفة العلوية في سورية، فبعد عقود وعقود من وجود النظام الأسدي في قمة السلطة؛ أصبح وجود أي من أفراد الطائفة العلوية خارج أجهزة ومؤسسات الدولة أمرًا نادرًا، فجميع أبناء الطائفة العلوية –إذا استثنينا الأطفال والطلاب- أصبحوا موجودين ولو على شكل بطالة مقنعة داخل كيان الدولة، ونتحدث هنا عن الفترة التي سبقت انهيار وانحطاط النظام ودولته، بعد انفجار الثورة في وجهه في 18 آذار/ مارس من عام 2011.

لقد استغل النظام الاستبدادي الأسدي ظروف وشروط التهميش والاضطهاد الذي عاشته الطائفة العلوية، في بعض المراحل من التاريخ السوري القديم –لا سيما فترة الحكم العثماني– التي جعلتهم جماعة بشرية لا تملك لا تجارة أو صناعة أو حرفة ذات معنى للعيش، أي جعلت منهم جماعة بشرية مكونة من الفلاحين وبشكل شبه مطلق، كما استغل قلة الحيازة والملكية للأراضي الزراعية الصالحة للزراعة، بحكم الطبيعة الجبلية للمناطق التي سكنوها لقرون وقرون من الزمن، كما استغل تفتت هذه الحيازة والملكية مع الزمن بين الورثة من الأبناء والآباء، وهو الأمر الذي جعل من الوظيفة الحكومية والاتجاه نحو تعليم أبنائهم في المدارس والجامعات، بعد أن أصبح التعليم متاحًا بعد قيام دولة الاستقلال والتحرر من نير الاحتلالين العثماني والفرنسي هي الوسيلة الوحيدة والأساسية للعيش عند العلويين، أقول استغل النظام كل ذلك لسحب هذه الجماعة البشرية إلى أحضان الدولة أولًا، ثم إلى أحضان النظام صاحب الدولة تاليًا، ثم ليجعل منهم -عبر مسار طويل ومعقد- جماعة بشرية يرتبط كيانها ارتباطًا شبه عضوي بكيان دولته الاستبدادية التي حولها مع الزمن إلى مزرعة خاصة به، في سياق سعيه لجعل سورية بأكملها مزرعة خاصة وحصرية ببيت الأسد، وهو ما أطلق عليه القاموس السياسي للنظام “سورية الأسد”، أي في سياق سعيه للانتقال من الجمهورية العربية السورية، إلى جمهورية بيت الأسد الحصرية وإلى الأبد.

3 – سيادة العصبية الطائفية العلوية: لم تكن مشكلة السوريين، من تشكل العصبية الطائفية العلوية، ناتجة من اندماج كيان هذه الطائفة بكيان الدولة فحسب، فدخول هذه الطائفة إلى أقصى الحدود بكيان الدولة هو حق لأي جماعة بشرية لا تجد وسيلة للعيش إلا من خلال الدولة، كما لم تكن مشكلة السوريين ناتجة فقط عن ارتباط هذه العصبية بالنظام وتحديدًا رأس النظام، ولم تكن مشكلة السوريين في تشكل هذه العصبية في كونها أصبحت تنتمي إلى كل طبقات المجتمع السوري، بعد أن كانت تنتمي في غالبيتها الساحقة فقط إلى الطبقة الفقيرة في المجتمع، ولم تكن مشكلة السوريين فقط في أن بعض العلويين أصبحوا يشكلون النواة الأساسية داخل الطبقة العليا للدولة الاستبدادية، أي داخل البرجوازية السورية السائدة أو لنقل داخل الطبقة “السائدة” المؤلفة من تحالف كبار رجال السلطة والمال والدين. إن مشكلة السوريين، مع قيام العصبية الطائفية العلوية التي ارتكزت عليها السلطة، تكمن في تسويد أو سيادة هذه العصبية كلها على المجتمع السوري كله. ففي شروط أصبحت فيها الدولة ومن خلفها السلطة السياسية -كما قلنا في فقرات سابقة- هي من يحدد ويولد الطبقات الاجتماعية وكل وجود اجتماعي أو سياسي أو طبقي داخل المجتمع، أي في شروط كون السيادة في المجتمع أصبحت ليست محصورة فقط بأصحاب الثروة، كما هي الحال في الشروط الطبيعية لوجود المجتمعات، بل أصبحت هي كذلك لأصحاب السلطة والدولة، فهنا نحن أمام مجتمع برجوازي لا تشكل فيه السلعة الصنم بل أصبحت السلطة هي الصنم. وكون العصبية الطائفية العلوية أصبحت من أهل السلطة ومن أصحاب الدولة وأهل الدولة؛ فقد كان أمرًا طبيعيًا أن يقود ذلك إلى سيادتها أو تسويدها على المجتمع كل المجتمع السوري.

ولكون النظام السوري، كغيره من نظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي، ارتكز على قاعدتين: قاعدة طبقية سياسية عامة، وقاعدة طائفية خاصة؛ فقد أحدث ذلك انزياحًا في موقع ومفهوم السيادة داخل المجتمع، أو لنقل أوجد ذلك نوعين من السيادة داخل المجتمع: الأول سيادة أصحاب الثروة والسلطة بشكل عام، وهي سيادة منقوصة الجانب السياسي؛ والثاني سيادة العصبية الطائفية التي يرتكز عليها النظام، وهي كذلك سيادة منقوصة الجانب السياسي. وبقيت السيادة المكتملة غير المنقوصة حصرية بيد رأس النظام الحاكم المستبد مالك الثروة والسلطة والدولة والمجتمع أيضًا.

إذا كان موقع ومكان فعل سيادة أصحاب الثروة والسلطة نجده في سوق العمل، إن كان سوق العمل داخل كيان الدولة، أي داخل مؤسساتها وأجهزتها المختلفة، أو في سوق العمل الواقع خارج كيان الدولة، كما نجده في سوق تبادل وإنتاج السلع، أي نجده داخل دائرة العلاقات الرأسمالية المستبطنة في أحشاء الدولة أو الواقعة خارج أحشاء الدولة؛ فإن موقع ومكان فعل سيادة العصبية الطائفية، أو لنقل مكان فعل وموقع سيادة الطائفة العلوية في الحالة السورية، كان في كل مكان يوجد فيه أي فرد انتمى إلى هذه العصبية. ففي كل بناية سكنية أو شارع أو حي أو مدينة، وجد فيها العلويون (الذين انتشروا على كامل الجغرافيا السورية كما قلنا من قبل) أصبحوا هم السادة، وهم أصحاب الحل والربط في أي أمر، سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا، أو في الحد الأدنى كان الحل والربط في أي أمر ينبغي أن يمر من خلالهم تحديدًا، وكذلك في كل مؤسسة -عسكرية كانت أو مدنية- اقتصادية أو سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو ثقافية أو فنية أو رياضية… إلخ، وجد فيها العلويون أصبحوا كذلك هم السادة وهم أصحاب الحل والربط فيها.

لقد كان طبيعيًا أن تتأتى هذه السيادة العامة في كل مكان وموقع وجد فيه العلويون، من كون أي فرد ينتمي إلى هذه الطائفة –هنا نتكلم عن غالبية ساحقة- أصبح يتمتع بسند من السلطة، بكل ما يمنحه ذلك من الإحساس والتمتع بالقوة المادية والمعنوية، فأي فرد ينتمي إلى الطائفة العلوية في سورية، بعد أن اندمج كيان الطائفة بكيان الدولة، إما أن يكون مسؤولًا في الدولة أو موظفًا حكوميًا رفيع المستوى أو موظفًا حكوميًا عاديًا، ولكنه مرتبط بشكل مباشر بأحد المسؤولين أو القادة العسكريين أو المدنيين، أو مرتبط بشكل غير مباشر بالسلطة من خلال الارتباط بأحد المتنفذين الكبار في السلطة، وقد يكون إما أحد الإخوة أو أحد الأقارب أو أحد أبناء الحي أو أحد أبناء القرية أو المنطقة أو مرتبط موضوعيًا بالسلطة فقط لكونه ينتمي إلى المنطقة الساحلية أو إلى هذه المحافظة أو تلك من المحافظات والمناطق التي يقطن فيها العلويون في سورية.

إن السيادة التي أتحدث عنها لم تقتصر على العلاقة التسلطية التي تقوم بين السيد القوى والضعيف المسود، إنني أتحدث هنا عن السيادة بمعنى قدرة جماعة بشرية أو طبقة اجتماعية على تعميم قيمها وثقافتها وفنونها وأخلاقها… إلخ على المجتمع ككل، فإذا كان صحيحًا أن الطبقة العليا للدولة الاستبدادية وتحديدًا نواتها ونواة النظام السياسي (المنتمية إلى أسرة بيت الأسد والمقربين منهم عائليًا وطائفيًا) قد استطاعت تعميم ثقافة وقيم وأخلاق الطبقة العليا للدولة ككل على المجتمع، من خلال الطبقة الوسطى للدولة؛ فإن علينا أن نعترف أن ذلك التعميم تم بمشاركة العصبية الطائفية –العلوية– التي ارتكز عليها النظام السوري، فكون هذه العصبية كانت كالطبقة الوسطى للدولة أكثر التصاقًا بالدولة وأكثر التصاقًا بالسلطة السياسية، فقد كان أمرًا طبيعيًا أن تشكل وتكون الحامل الاجتماعي الذي يتبنى أولًا ثم ينشر ويعمم ثانيًا قيم وثقافة وأخلاق الطبقة العليا للدولة والسلطة، حتى يمكن القول إن الحامل الاجتماعي الذي عمم قيم وثقافة وأخلاق الطبقة العليا للدولة في الحالة السورية تشكل من جناحين: جناح شكلته الطبقة الوسطى التي عاشت في أحضان الدولة، وجناح شكلته العصبية الطائفية التي ارتكز عليها النظام، وعاشت كذلك في أحضان الدولة، حيث الدولة شكلت الحاضن المولد ليس للفساد وقيم الفساد فحسب بل المولد لكل القيم داخل المجتمع، بدءًا بالقيم السياسية والاقتصادية وصولًا إلى القيم الأخلاقية والفنية، ولكل مستوى من مستويات البناء الفوقي للمجتمع، وبحكم السيادة السلطوية التي تمتعت بها العصبية الطائفية، فقد قاد ذلك إلى أن تضفي طابعها القيمي والثقافي الخاص بها على كل القيم المنتجة مضيفة إليها قيمها وثقافتها، بعد أن تحولت إلى عصبية طائفية سائدة. وقد وصلت السيادة الطائفية إلى كل مستوى من مستويات الوجود الاجتماعي ومستويات البناء الاجتماعي، حتى وصل الأمر إلى أبعد مستوى فوقي للمجتمع، حيث سادت الفنون والأغاني الخاصة بالبيئة العلوية على ما عداها من الفنون وأشكال الفنون الخاصة بهذه البيئة أو تلك من البيئات السورية، وقد شكلت أغاني “علي الديك”، التي أصبحت في فترة من الأغاني “الوطنية”، خير دليل على تلك السيادة، كما شكل مسلسل “باب الحارة” ردة الفعل المقابلة التي شكلت وجه العملة الآخر لقيم الطبقة العليا المالكة للثروة والسلطة.

4 – سيادة محدثي النعمة (السيادة العدوانية): لقد جرت في ظل نظام الاستبداد المعمم الأسدي تغيرات وتحولات عميقة على بنية المجتمع السوري، طالت بنية وثقافة وقيم وأخلاق الطبقات الاجتماعية، وكل شكل من أشكال الوجود والاجتماع البشري، وفي مقدمة هذه التحولات وأهمها على الإطلاق نجد أولًا: التحولات العميقة التي جرت على بنية وثقافة وأخلاق وقيم الطبقة المالكة للثروة أو السلطة أو المالكة للاثنتين معًا، فقد طغت بشكل كاسح العناصرُ المحدثة النعمة داخل الطبقة البرجوازية “السائدة”، وهي العناصر التي نمت وترعرعت في ظل السلطة ومن خلالها، كما نجد ثانيًا: التحولات العميقة والجذرية التي جرت على بنية وقيم وأخلاق وثقافة العصبية الطائفية التي ارتكز عليها النظام، حيث تحوّلت الطائفة العلوية -على مدار ما يقارب أربعة عقود من العمل على استجرارها إلى حضن الدولة أولًا ثم السلطة ثانيًا- من طائفة فقيرة ومهمشة، إلى طائفة محدثة النعمة، حيث توزعت هذه النعمة داخل الطائفة العلوية، بين مالك للثروة أو مالك للسلطة أو مالك للاثنتين معًا أو في الحد الأدنى مالك للسلطة والقوة في حدها المادي، نتيجة الانتماء أو الانتساب إلى أحد أدوات وأجهزة القوة داخل الدولة من جيش وأمن… الخ، أو في حدها المعنوي نتيجة قربه العائلي أو الجغرافي أو الطائفي من أحد مصادر القوة في السلطة والدولة.

إن ما ميّز تحول العصبية الطائفية العلوية التي اعتمدها النظام السوري، إلى عصبية سائدة، لم يكن في سيادتها على المجتمع فحسب، بل في النزعة العدوانية التي ميّزت هذه السيادة. فإذا كان في سيادة أيّ طبقة أو جماعة بشرية شيءٌ من العدوانية التي يمارسها الطرف السيد على الطرف المسود؛ فإن السيادة التي مارستها الطائفة العلوية، بدعم وتشجيع منهجي من رأس النظام، بلغت حدًا عاليًا من هذه العدوانية، لعدد من الأسباب، حيث نجد الآتي:

أولًا: إن هذه السيادة حملت شحنة عدوانية، لكونها تراكبت مع شحنة عاطفية بدائية طائفية تغذيها نزعة ورغبة (شعورية واعية في بعض الحالات ولا شعورية في حالات أخرى) في الثأر لماضي وتاريخ الفقر والتهميش الذي عاشته الطائفة العلوية في الماضي من التاريخ، وهنا يمكن القول إن أحد الطرق والأساليب التي اعتمدها النظام لجرّ الطائفة إلى خندقه وصفّه كان دعمه وإيقاظه للغرائز الطائفية النائمة في أعماق الطائفة العلوية، أو لنقل كان اللعب على هذه الغرائز والمشاعر الطائفية البدائية التي كانت أحد وسائل النظام الأساسية في جر الطائفة إلى خندقه، وتحويلها إلى عصبية طائفية يرتكز عليها في الحكم أولًا، وثانيًا في الاستمرار في الحكم والعصيان في السلطة إلى الأبد.

ثانيًا: إن نشوء وظهور العصبية الطائفية العلوية، كعصبية وجماعة بشرية محدثة النعمة داخل المجتمع السوري، شكّل -موضوعيًا- حالة عدوانية على المجتمع، وذلك لكون هذا النشوء والظهور أولًا أتى من خلال العلاقة مع السلطة، ومن خلال أبواب السلطة بكل ما تعنيه وتحمله كلمة سلطة من مضامين عدوانية تجاه الآخر المختلف أو المعارض أو الرافض الخضوع لها أو الراغب في أن يقف على مسافة بعيدة عنها، وثانيًا، لكون هذا النشوء والظهور أتى على حساب كل وجود اجتماعي قديم وسائد داخل المجتمع السوري قبل صعود نظام الاستبداد الأسدي.

وقد وصلت عدوانية العصبية الطائفية العلوية إلى ذروتها، في المرحلة التي تحوّل فيها النظام السوري إلى نظام حثالي، ففي هذه المرحلة، أصبح في قمة السيادة الطبقية والسياسية مَن هم حثالة كل الطبقات الاجتماعية وحثالة كل وجود اجتماعي في سورية، وأصبح في قمة السيادة الطائفية العلوية أو من يمثّل هذه السيادة، أو لنقل من وُضع في واجهة هذه السيادة، مَن هم حثالة كل وجود اجتماعي داخل الطائفة العلوية، أو لنقل مَن هم حثالة الطائفة اجتماعيًا وسياسيًا ودينيًا أيضًا.

ثالثًا: إن ما جعل السيادة الطائفية العلوية تأخذ بعدًا واحدًا عاليًا من العدوانية هو البنية العدوانية الخاصة التي تتصف بها كل الجماعات البشرية -والطبقات كذلك– المحدثة النعمة والناتجة ليس عن الجشع تجاه مراكمة الثروة فحسب، بل من طريقة حصولها على الثروة التي لا يمكن أن تتم إلا من خلال النهب واللصوصية، والتي وصلت في الحالة السورية إلى حد النهب واللصوصية المكشوفة والعارية من أي غطاء لقطاع الدولة وأموال الدولة التي هي في النهاية أموال سرقتها وكدستها السلطة في خزينة الدولة من جيوب جميع السوريين (ضرائب وغيرها) أو من خلال نهب ثرواتهم الطبيعية أو من كدههم وعرق جبينهم، أو من خلال المتاجرة بقضاياهم كشعب في سوق النخاسة الإقليمي والدولي.

رابعًا: إن الطابع العدواني الذي ميز السيادة الطائفية العلوية داخل المجتمع السوري، كان بسبب النزعة الاستعراضية التي تميز في العادة الجماعات البشرية –كما الطبقات– المحدثة النعمة، فاستعراض الثروة المستمدة من السلطة، أو استعراض القوة المستمدة من القرب من السلطة، هو من أهم الصفات التي ميزت السلوك العام لكل الشرائح الاجتماعية داخل الطائفة العلوية، بدءًا من رجل السلطة الكبير (عناصر الحراسة عند البيوت وعناصر المرافقة والسيارات الفخمة) وصولًا إلى عنصر المخابرات الذي يميز نفسه وعضلاته بالمسدس الموضوع على خصره، مرورًا بالموظف الحكومي الصغير الذي يرعب الآخرين –في المناطق والمدن الداخلية من سورية- بشتى الوسائل والأساليب المعروفة.

وقد تمادى هذا الاستعراض إلى الحد الذي أنتج ظاهرة التشبيح داخل المجتمع السوري، ويمكن تعريفها وتكثيفها بأنها نمط من السلوك الذي يتجاوز ويقفز فوق الأعراف والتقاليد المعروفة والسائدة في علاقات البشر فيما بينهم، كما تجاوز القوانين والقفز من فوقها من خلال الاستقواء بالسلطة ورجال السلطة.

وإذا كانت ظاهرة التشبيح ومقولة “نحنا الدولة ولاك” محصورة، في بداية حكم الأسد الأب، بالدائرة العائلية لبيت الأسد والمقربين منهم من آل مخلوف وشاليش وغيرهم؛ فإن هذه الظاهرة بدأت بالاتساع والتدحرج داخل الطائفة العلوية بمقدار ما كان النظام قادرًا على جرّ الطائفة إلى حظيرة دولته وسلطته، وإذا كان العلويون في المدن الساحلية ولا سيما في مدينة اللاذقية هم أول من تذوق مرارة تشبيح بيت الأسد وأقربائهم؛ فإن المفارقة في الحالة السورية والعلوية هو أن ظاهرة التشبيح اتسعت دائرتها وامتدت داخل الطائفة العلوية، لتصبح سلوكًا عامًا مع مقولة “نحنا الدولة ولاك” يُمارس على السوريين جميعًا، وينحو منحًى بربريًا في اللحظة التي قرر فيها السوريون إسقاط النظام.

مقالات ذات صلة

إغلاق