كلمة جيرون

حشفًا وسوء كيلة

وكأن مصائب أهل درعا لم تكن لتكفيهم، لتنزل على رؤوسهم مصائب أخرى، من كل حدب وصوب! وعلى الرغم من أنهم كانوا يُقاتلون ويغنّون، ويلقون الأشعار والقصيد، ويحاولون أن يرسموا صورة إنسانية حضارية غير متعصبة وواعية لثورتهم، فإن صديقهم كان أقسى وأشدّ ظلمًا من عدوهم.

لم يكفِ أهل درعا عنف نظام البراميل خلال سبع سنوات، مزّق خلالها حياتهم، وقتل عشرات الآلاف من أبنائهم، وحاصر قراهم ومدنهم، وحرق زرعهم، وقطع رزقهم، ومارس أقسى أساليب الإجرام ضدهم.

لم يكف أهل درعا مصائب نظام قاتل طائفي منحرف، ولا ممارسات محتلّ إيراني مجرم، ولا عنف احتلال روسي منفلت، ولم تكفهم مئات آلاف البراميل والصواريخ والقذائف التي سقطت على رؤوسهم، ولم يكفهم كل هذا، لتنهال عليهم ويلات لا تقلّ سوءًا عن سابقاتها.

وعلى الرغم من أنهم صرخوا في بداية الثورة بلسان كل سورية: “الموت ولا المذلة”، وطالبوا، باسم كل سوري، بـ “الحرية والكرامة”، فإن إخوةً لهم سنّوا أسنانهم، خلال الحملة العسكرية الأخيرة، ولم يترددوا بشراء ما سرقته ونهبته و”عفّشته” قطعان النظام من بيوتهم، وليتفاجؤوا آسفين بأن لهم إخوة فقدوا أخلاقهم وإنسانيتهم وأحاسيسهم.

وعلى الرغم من أنهم حملوا في المعركة الأخيرة همّ الجميع، وخاضوا معركة تهمّ كل السوريين، فإن إخوةً لهم لم يتوقفوا عن شتم كلّ مقاتل حمل السلاح ليواجه ثلاثة احتلالات منحطة، ولم يتوقفوا عن السخرية من إصرارهم على الحرية والعيش الكريم!

وعلى الرغم من أنهم حاولوا التأكيد على مخاطر الخيانة والعمالة والتآمر، فإن إخوة لهم باعوا القضية والثورة والمبادئ، وتعاملوا مع النظام والتحقوا بصفوفه، في خيانة واضحة لأهلهم وبلدهم، وخيانة لكل مبدأ وطني، فوقّعوا صكوك عبودية، أو صكوك بيع وشراء، وصكوك تسليم رخيصة، كان يمكن الحصول على مكاسب أكبر للثورة، لو أنهم لم يوقّعوها.

وعلى الرغم من أنهم حاولوا استصراخ ضمير المعارضة السياسية، بكل أطيافها وأيديولوجياتها، بهيئاتها وائتلافها ومجالسها، فإنهم اكتشفوا في اللحظة الظلماء أن “لا حياة لمن تنادي”، فلا المعارضة السياسية وقفت معهم، ولا انتبهت إلى موتهم، ولا اتّخذت أي موقف يدعمهم، ولو كان شكليًا، وظلّت تغط في سبات عميق.

“ثوار” درعا وحدهم، من بين كل “ثوار” سورية، لم يرفعوا سوى راية سورية الخضراء ذات العيون الحمراء، ووحدهم من بقي حتى النهاية يعمل تحت راية (الجيش السوري الحر)، وهم -تقريبًا- وحدهم من نظم الشعر وألّف الأغاني، في أوقات الهدوء بين المعارك، ولم يرتدوا جلابيب سود.

لا يعرف أهلَ “حوران”؛ مَن يعتقد أن الثورة يمكن أن تنتهي هناك دون سقوط النظام، ولا يعرفهم مَن يعتقد أنهم يستسهلون الذل، أو يمكن أن يُبادلوا الثأر بمال، أو أن يُصالحوا من قتلهم وشردهم وأهانهم وانتقص من كرامتهم، أو أن يتعايشوا، تحت أي ظرف، مع شبّيحة نظام الأسد أو مرتزقة (حزب الله) أو مع وحوش إيران وميليشيات روسيا المأجورة، أو أن لا يجدوا وسائل جديدة للمواجهة كل يوم.

نسي كثير من السوريين أنهم حين ينظرون نحو الأرض، سيرون قمح “حوران” ينبت في كل مكان، ينشر الحياة والأمل، وأنهم حين ينظرون نحو الأعالي، سيجدون القمر دومًا ينظر صوب درعا، مهد الثورة التي لن يؤثر عليها كثيرًا “حشف” الإخوة و”سوء كيلهم”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق