ترجمات

تهديدات بوتين: ليست أكثر من نباح

الصورة: جنود روس في موكب عيد النصر في أيار/ مايو للاحتفال بذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. وانغ تشي يون/ وكالة أنباء الصين، عبر صور جيتي

هل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعدٌ فعلًا لخوض الحرب مع الغرب؟ إن كان علينا أن نصدق دعاية الدولة الروسية؛ فإن الإجابة هي نعم مدوية. إن السيد بوتين شديد العدوانية في سياسته الخارجية، وحيثما يُعارَض، فإنه يستاء على الفور استياءً شديدًا.

يلقي الكرملين بثقله من خلال قتل الناس بعوامل غاز الأعصاب، وإنزال الخراب حيثما أمكن ذلك، سواء أكان ذلك في سورية أو أوكرانيا أو فيسبوك. إذا تم القبض عليه (الكرملين) متلبسًا، فإنه يشتكي من “مضايقة” له ومن عقاب على أمور لم يرتكبها، ويقدّم نظريات مثيرة للسخرية حول ما حدث. مثال على ذلك قوله: إن الأب الذي كان في يوم من الأيام جاسوسًا روسيًا وابنته، اللذين كادا أن يتوفيا في لندن نتيجة التعرض لعامل عصبي روسي الصنع، “تمّ تسميمهما بعامل أعصاب حقنه البريطانيون الغدارون، بعد وصول الضحيتين إلى المشفى”.

لا توجد طريقة لكي يخسر الكرملين هذه اللعبة؛ فعندما يُفسح العالم الحر المجال للكرملين، فإن ربح روسيا يستخدم كخطوة أساسية لهجوم جديد. عندما يصمد الغرب ضد استفزاز روسي، فإنه يغذي الدعاية المحلية للكرملين، كدليل على “المعايير المزدوجة” للغرب والعداء الفطري لروسيا.

حتى الآن، أصبحت الأحلام الروسية بتحدي بقية العالم عسكريًا الموضوع الرئيس لدعاية الدولة. في شهر أيار/ مايو، عندما احتفلت روسيا بذكرى الانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، كان شعار “يمكننا أن نفعل ذلك مرة أخرى” هو الشعار الأكثر شعبية، وبكلماتٍ أخرى: “يمكننا مرة أخرى اقتحام برلين”.

لكن فكّر في الأمر. هل يمكن لروسيا أن تقصف برلين مرة أخرى؟ هل هي على استعداد حتى للمحاولة؟ هل يعتقد بوتين حقًا أنه قادر على الفوز بحرب قصيرة ومجيدة؟ أم أنه مجرد خداع؟ دعونا نتمعن في الأمر عن كثب.

في 8 شباط/ فبراير في دير الزور، سورية، قيل إن عددًا من الروس الذين يعتقد أنهم مرتزقة (ربما عددهم عشرات، وربما 200) قُتلوا خلال الغارات الجوية الأميركية. غالبًا ما يرى الكرملين الجريمة حيث لا يُقصد أي منها. لذلك كان من المعقول أن نتوقع أن يغضب بشدة [تتصاعد]. وبدلًا من ذلك، بقي الكرملين صامتًا، باستثناء إنكار وجود أي جنود روس في دير الزور.

بعد شهرين، أمر الرئيس ترامب بضربات جوية ضد منشآت الأسلحة الكيمياوية السورية، وفي هذا الوقت قدم الكرملين عرضًا عظيمًا. ألكسندر زاسيبكين، سفير روسيا في لبنان، وفي تعليق بثّته قناة (المنار)، وهي شبكة تلفزيونية يسيطر عليها حزب الله، أصدر تحذيرًا من أن الصواريخ الأميركية التي ستُطلق على سورية ستُسقط، وستُستهدف مواقع الإطلاق.

حصل الهجوم الأميركي على تغطية كاملة من التلفزيون الروسي الرسمي، وفي وقت لاحق قدّم قائد الأركان الروسي ادعاءً مثيرًا للسخرية بأن منظومة الدفاع المضادة للصواريخ الروسية أسقطت 71 صاروخًا أميركيًا من أصل 103 صواريخ. “تم تدمير الصواريخ من قبل أنظمة الدفاع الجوي السورية، إس-125 وإس-200، وبي- يو ك، (S-125, S-200, B-uk) من نوع كفادرات وأوسا”، كما زعم اللواء سيرغي رودسكوي. “هذا دليل على فاعلية أنظمة الأسلحة السورية”. كل هذا رسم صورةً رائعة للقوة العسكرية الروسية لمشاهدي التلفزيون الروسي.

حسنًا، إنها كذبة. في تقريره الأولي، قال البنتاغون إنه من بين 59 صاروخًا أميركيًا تمّ إطلاقها، أصاب 58 صاروخًا منها هدفه. وكما أكدّت التقارير اللاحقة، رغم اختلافها إلى حدٍّ ما، أن الادعاء الأولي كان غير دقيق/ خاطئًا. في الواقع، كانت روسيا حريصة على عدم إسقاط أي صاروخ أميركي، ناهيك عن إغراق أي سفينة أميركية.

الأمر الذي ترك السيد ترامب في وضع، يسمح له ينظر فيه تجاه بوتين بدونية، مستخدمًا مهاراته في التعامل مع الزعران/ المتنمرين الدوليين، وإنه ليس مفاجئًا، لأنه هو نفسه أزعر/ متنمر.

هناك المزيد في المستقبل.

في 10 أيار/ مايو، أي بعد شهر من الهجوم، قضت إسرائيل في غارة جوية واحدة على “كل البنى التحتية الإيرانية في سورية تقريبًا”، وفقًا لـ أفيغدور ليبرمان، لوزير الدفاع الإسرائيلي. ومن بين المعدات الأخرى التي تمَّ تدميرها، خمسة أنظمة إيرانية للدفاع الجوي تحمل أسماء غير فارسية واضحة، مثل دوفينا وبوك، وهي الأنظمة التي قال الجنرال رودسكوي إنها عملت جيدًا ضد الصواريخ الأميركية.

تجاه هذه الهزيمة المهينة، لم يكن هناك أي ردّة فعلٍ على الإطلاق من الكرملين.

إنه أمرٌ لا بد من ملاحظته. الإسرائيليون مرارًا وتكرارًا قالوا إنهم لن يسمحوا لإيران بتحويل سورية إلى “قاعدة أمامية” ضد إسرائيل. وبكلماتٍ أخرى، لن تتسامح إسرائيل مطلقًا مع تواجد فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني.

لسوء حظ الكرملين، فإن تواجد الحرس الثوري في سورية هو السبب في إبقاء نظام الرئيس بشار الأسد على قيد الحياة. إذا انهار، فسيعني نهاية لعبة الكرملين هناك، وإهانة شخصية للرئيس بوتين.

إذًا؛ لماذا لم يحتج الكرملين؟

بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، كان الزعيم الغربي الوحيد الذي زار موسكو في 9 أيار/ مايو، يوم النصر الروسي. آلة دعاية الكرملين جعلت من هذا الحدث المُختلق بشكل استثنائي، يومًا تصرخ فيه كل التلفزيونات “يمكننا أن نفعل ذلك مرة أخرى” بينما تستعرض العائلات عبر روسيا صورًا للأجداد الذين قاتلوا في الحرب العالمية الثانية، لما يُسمى بالفوج الخالد.

لم يزر السيد نتنياهو موسكو فحسب، بل مشى أيضًا إلى جانب السيد بوتين في الساحة الحمراء، حيث لوّح لصورة راهبٍ روسي قاتل ببسالة في الحرب.

كان ذلك قبل يوم واحد فقط من الكارثة العسكرية في سورية، عندما أخفقت أنظمة الدفاع الجوي السورية روسية الصنع في صدِّ هجوم إسرائيل. في هذه الأيام، إسرائيل هي الدولة ذات التوجه الغربي المميزة التي ما تزال على علاقة ودية مع روسيا. لذا يمكننا أن نستخلص أن السيد نتنياهو استخدم رحلته في 9 أيار/ مايو، لاطلاع السيد بوتين على المواجهة الوشيكة مع الإيرانيين. كان من شأن ذلك أن يمنح السيد بوتين خيارًا: الحفاظ على علاقة وديّة مع إسرائيل أو إثارة الجحيم. على أي حال، بوتين اختار الأول.

في اليوم التالي، لم يعمل نظام الصواريخ الدفاع الجوي (بوك) الذي يعود تاريخه إلى ستينيات القرن الماضي بشكل جيد ضد طائرات إف -16 الإسرائيلية. “بإمكاننا فعلها مجددًا”؟ لا، ليس تمامًا. إن تزويد حليفٍ بمعدات قديمة جدًا يشير إلى أننا لا يمكننا فعلها.

توضح هذه الأحداث الثلاثة أن بوتين، على الرغم من تبجحه، يحرص على تجنب أي مواجهةٍ عسكرية مباشرة مع الغرب. لا يريد حربًا من المتوقع ألا تكون قصيرة أو سهلة الفوز. ما يريده هو حربٌ تلفزيونية -محاكاة حاسوبية- مع كل مزايا العلاقات العامة بكونه يخوض حربًا، ويتجنب كل سلبياتها.

هذا عيب قاتل في أي استراتيجية مصممة لجلب روسيا إلى صدام مع الغرب. لا يمكنك الذهاب للحرب من دون أن تكون مستعدًا لخوض الحرب.

عندما قام هتلر بتسليح بلاد الراين (ألمانيا)، كان شجاعًا ومصممًا. لم يكن يريد الحرب في ذلك الوقت، لكنه ربما سيكون مقاتلًا جيدًا، لو أنه كان قد تعرّض للتحدي. لم يكن الأمر معه مجرّد خدعة. ولكنه مع السيد بوتين هو خدعة. ربما يستطيع أن ينجو من (دير زور) أخرى، وأخرى غيرها، لكنه لا يستطيع أن ينجو من 100 (دير زور). صورته كرجل قوي ستتمزق إلى أشلاء. لذلك، ليس صحيحًا أن الغرب هو من يجب أن يخشى الاشتباك العسكري التقليدي مع الكرملين، بل العكس.

 

اسم المقالة الأصلي Putin’s Threats: More Bark Than Bite
الكاتب يوليا لاتينينا، Yulia Latynina
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 27/6
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/06/27/opinion/putin-russia-west-war.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20180627&nl=opinion-today&nl_art=13&nlid=77714386emc%3Dedit_ty_20180627&ref=headline&te=1

 

عدد الكلمات 1080
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق