أدب وفنون

وليد قوتلي يحاول أن يظل طفلًا

كانت حفل الذكرى الأولى للثورة السورية في الدوحة عام 2011، في منتصف آذار/ مارس، فرصة ذهبية للقاء كوكبة من الأدباء والفنانين السوريين. فنان المسرح السوري وليد قوتلي كان هناك مثل طفل يبحث عن رفاق حارته في مدينة دمشق العتيقة. وقد وجدته حين التقيته ودودًا بسيطًا، كما عهدته قبل أن تفرقنا سنوات من الغربة، ولفتني أنه ما يزال يحافظ على براءة الطفل في نظراته وحركته. قال لي: أتمنى لو أحافظ على الطفل في داخلي إلى آخر العمر. وهو حين كان طفلًا شكل مع رفاقه في حي المزرعة الدمشقي فرقة فنية أسموها (الفرقة الشعبية للتمثيل والموسيقى) وكان آنذاك فقيرًا كما قال، تساءلت: ولكن عائلة القوتلي من العائلات الغنية في دمشق؟ أجاب ضاحكًا: هناك جناحان لتلك العائلة، ونحن من الجناح الفقير.

كانت عائلته تريد منه أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا لتفخر به، فيما كان الفن يسيطر على مخيلته ويرسم أحلامه. فقد تأثر مبكرًا بفن الحكواتي الذي كان يروي في المقاهي الشعبية قصص عنترة بن شداد وسواه من أبطال الأساطير القديمة، بأداء تمثيلي مدهش، كما أن عروض المسرح المصري ليوسف وهبي وأمينة رزق وغيرهما في دمشق، وكذلك بالعروض المسرحية الفكاهية التي كان من أبطالها السوريين البارعين عبد اللطيف فتحي. لكن عائلته كانت مصممة على رسم مستقبله كمهندس معماري، وقد رضخ لرغبتها وسافر على نفقتها، ودخل كلية الهندسة المعمارية في بلغاريا. لكن شغفه بالمسرح دفعه إلى العمل في الترجمة، وكسب المال في الإذاعة البلغارية (القسم العربي) والاستغناء عن مساعدة أهله، ومن ثم الانتساب إلى معهد دراسات الفنون (كریستوف سارافوف سابقًا) في العاصمة صوفيا؛ ليتخرج من قسم الإخراج المسرحي عام 1973، بعد أن نما وتعمق حبه للمسرح وبالأخص للمسرح الشعري والتجریبي، وعاد من هناك لیبدأ خطوات حیاته المهنية في دمشق، وینطلق منها إلى العالم.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/07/111.jpg’ attachment=’121138′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

هذا الانتصار لحلمه وموهبته، وذلك الفرح الذي غمره، وهو يمتشق شهادته، ويعود بها إلى دمشق، وتلك الأفكار التي رسمها في مخيلته لملامح مسرح جديد مغاير لمسرح الفرجة السائد والمعتمد على الحوار دون الحركة الدرامية المعبرة، والمفتقر إلى مقومات المسرح الأساسية في القصة والسيناريو والتعبير الحركي والإضاءة والديكور والصوت والبعد الثالث للمسرح التي طورتها البلدان المتقدمة في الشرق كما في الغرب، وقد عزم على أن يساهم، مع غيره من العائدين الدارسين للفنون المسرحية، في نقلها وتطويعها لخدمة المجتمع والثقافة السورية والعربية عمومًا، ذلك الفرح والأمل لم يتحققا إلا بعد كفاح متواصل مع المهيمنين على مفاصل الحركة الثقافية الحكومية المرتبطة بالسلطة البعثية الأمنية المتخلفة. استطاع وليد، بالرغم من الإعاقات التي قال عنها: (إنها أشبه بالملاحقة الجنائية لمتهم لا يدري ما هي تهمته)، أن يُخرج ثلاثين مسرحية، كانت أولاها لفرقة مسرح الشبيبة في حمص عام 1974، عرضت على مسرح القباني بدمشق، واسمها (توباز) للكاتب المسرحي مارسيل بانيول. ثم تتالت أعماله المسرحية حتى عام 2017، ومنها (لكع بن لكع، قصة حديقة الحیوان، الضفادع، حكاية فاسكو، كانون الثاني، السلام، الملك لا يموت، الثعلب والعنب، يوميات مجنون، بدون تعليق، حكايا الجسد، عين القمر، في انتظار البرابرة). وهو إلى ذلك أخرج وعرض مسرحيات مهمة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، واليابان، والإمارات العربية، وقطر، والأردن، وإسطنبول. منها (يوميات مجنون)، عرضها على خشبة مسرح العالم العربي في باريس. وكذلك مسرحية (كما تشاء)، على مسرح جامعة (السوربون) التي عرضها أيضًا في إيطاليا، ضمن عروض مهرجان حوض المتوسط عام 1999، وقبلها (يوميات امرأة سعيدة جدًا) في شتوتغارت بألمانيا 1995.

وهكذا فإن سيرة وليد قوتلي لم يكتبها في دمشق فقط، وإنما ظلَّ أبدًا يتنقل بين المدن، غربًا وشرقا، باحثًا عن خشبة يطلق من خلالها العنان لأفكاره المبدعة، التي كان نظام حافظ الأسد وابنه يحدّ منها، وغالبًا ما يمنعها. بل إنه في مرحلة من حياته لم يعد يطيق العيش في مدينته التي عشقها، بسبب شعوره -كما كل المثقفين الأحرار- بأنه مستهدف وملاحق، وقد يساق إلى السجن في أي لحظة. وهو يروي أن فنانة ألمانية قدمت إلى دمشق ومعها رفيقها، وكانت دمشق حينذاك مغطاة كلها، بجدرانها وأعمدة الهاتف والإنارة ومبانيها العالية، بصور حافظ الأسد، وأقواله، وبالشعارات السخيفة. فقالت له: كيف تتحمل العيش تحت كل هذا؟ ألم تصب بالجنون؟ فأجابها: بل أصبت بالجنون منذ زمن بعيد. وقد قال لي: إن كلام تلك الفنانة كان من الدوافع الرئيسة لرحيلي إلى باريس والمكوث فيها فترات طويلة، وكذلك في الاستقرار فيما بعد في إمارة الشارقة. لكنه لم يترك دمشق نهائيًا، بل ظلَّ يتردد عليها وينجز فيها أعمالًا مسرحية، شكلت إضافةً مهمة إلى تاريخ المسرح السوري.

[av_image src=’https://geiroon.net/wp-content/uploads/2018/07/222.jpg’ attachment=’121139′ attachment_size=’full’ align=’center’ styling=” hover=” link=” target=” caption=” font_size=” appearance=” overlay_opacity=’0.4′ overlay_color=’#000000′ overlay_text_color=’#ffffff’ animation=’no-animation’ custom_class=”][/av_image]

يرى ولید القوتلي أنه من أجل تطویر المسرح السوري يجب إتاحة الفرص أمام الشباب الصاعد للمشاركة في صياغة التطوير، وعلى أهمية مشاركة جمیع الجهات المعنية بالثقافة، لتحقیق استدامة المسرح ونموه. ویشعر القوتلي بالأسى على حال المسرح السوري الذي یعاني الإهمال، وابتعاد الحضور الشعبي عنه، وانفصاله عن باقي اهتمامات المثقفین، في مختلف مجالاتهم.

وهو يصف توجهه التجريبي في المسرح بالقول: إن “العرض المسرحي (فرجة)، ولیس للسماع فقط. ويقول أيضًا: المسرح هو “متعة بصریة” في الأساس، هدفها الوصول إلى المشاهد عبر حواسه وأولها البصر، ومن ثم یترك لعقله أن یفكر ویحلل.

لا شك أن وليد القوتلي وضع بصمَته على تاريخ المسرح السوري، بما أضاف من عروض التجریب والتجدید والتركیز على لغة جسد الممثل، واستخدام المساحة الكاملة للمسرح، وتمیّزه بمسرحة الشعر مثل مسرحية (الأیام السبعة للوقت)، واستشراف المستقبل كما في مسرحية (في انتظار البرابرة).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق