مقالات الرأي

الانسحاب الأميركي من سورية ورهانات المستقبل

حين أُعيد انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما لولاية ثانية في البيت الأبيض، كان واضحًا أن الأزمة السورية لن تعرف حلًا قبل انتهاء تلك الولاية الجديدة؛ إذ كرست الإدارة الأميركية، حينذاك، سياسةَ الانسحاب من المنطقة، وبخاصة من سورية، مكتفية بصفقة تسليم مخزونها من السلاح الكيمياوي، تلك الصفقة التي رسمها الرئيس الروسي بوتين وأشرف على تنفيذها، بصفته الضامن لنظام الأسد الصغير، مستغلًا هاجس إدارة أوباما آنذاك، الذي ينصب أصلًا على إنجاز الاتفاق النووي مع إيران، وطمأنة “إسرائيل” بخصوص السلاح الكيمياوي لسورية، دون أن تعير أي اهتمام لمأساة السوريين، ولما يحدث في سورية.

حاول الرئيس دونالد ترامب أن يقطع مع هذه السياسة، في ما يخص الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه، بخصوص سورية، ما زال يذعن لإيقاع المايسترو الروسي، بغض النظر عن حقيقة تورط هذا الأخير في الانتخابات الأميركية، إذ سبق لبوتين أن أقنع أوباما، والعالم أجمع، بأن طبيعة الصراع في سورية والمنطقة تفترض أولوية الحرب على الإرهاب، وهي التي تبدو أولوية منطقية بالمعنى الصوري أو الشكلي لرؤية الأحداث، لكنها أولوية تبنى على تزييف الوقائع والواقع أيضًا، والتنكر لحقيقة ثورة الشعب السوري ضد طغمة ديكتاتورية فاسدة، طغمة نجحت بالتعاون مع شركائها الدوليين والإقليميين في تصنيع الإرهاب والعسكرة في إيهاب التطرف الإسلامي تحديدًا، وتقديمه كبديل لثورة الشعب الذي طالب بالحرية والكرامة.

هنا -باعتقادي- يكمن التناقض في السياسة الأميركية الراهنة التي ذهبت للقضاء على الإرهاب، دون الاهتمام بمولّدي هذا الإرهاب؛ إذ يعتقد الرئيس ترامب وجزء مهم من إدارته أن “المهمة أنجزت”، وأنه تمّ دحر تنظيم (داعش)، ليس من سورية فقط بل من العراق أيضًا، من دون أن تتساءل هذه الإدارة: كيف يمكن لتنظيم (داعش) أن يُعاود الظهور في ريف دير الزور أو بادية الشام، أو حتى في مخيم اليرموك وسواه من أماكن سيطرة المعارضة، ليشكل ظهوره الجديد مبررًا لاستعادة هذه المنطقة أو تلك لمظلة النظام؟ ومن دون أن تتساءل هذه الإدارة أيضًا عن سرّ الصفقات المتتالية، بين النظام و(تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش)، وأحيانًا مع (حزب الله)، برعاية روسية أيضًا، وكيف يتم إجلاء عناصر التنظيم من منطقة إلى أخرى، في باصات مكيفة ومعهم أسلحتهم أيضًا، لزوم معارك قادمة قد يحتاج إليها النظام أو رعاة “تنظيم الدولة الإسلامية”، في تلك الأماكن!

وإن كانت التناقضات السابقة في سياسة ترامب تمظهرت بين إعلانه القطع مع سياسة أوباما السابقة، وبين رغبته في الانسحاب من سورية، بين تسليح ورعاية (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) بهيمنة كردية، وبين تخليها اللاحق عنها في منبج وسواها، بين إعلان الانسحاب القريب من سورية، ليعقبها ضربة استعراضية لمطار الشعيرات ردًا على قصف خان شيخون بالكيمياوي، والمسرحية ذاتها جرى تكرارها في دوما، لكن التخلي الأميركي الأخير عن درعا وجنوب سورية لروسيا والنظام، يكتسب دلالة جديدة في إطار التحضير للقاء المرتقب، بين الرئيسين ترامب وبوتين، في هلسنكي يوم 16 من الشهر الحالي، إذ شكلت رسالة ترامب بهذا الخصوص إلى فصائل (الجيش الحر)، ضوءًا أخضر للطيران الروسي للمشاركة الرسمية في قصف درعا وبلداتها وزيادة الدمار الحاصل فيهما، إضافة إلى قتل المدنيين تمهيدًا لتهجير من تبقى منهم، على غرار ما حدث في بلدات ريفي دمشق وحمص سابقًا.

مع يقيني أن معركة درعا أو جنوب سورية لن تكون الأخيرة في هذا السياق، فالنهايات ما زالت أبعد من ذلك، بانتظار معركة إدلب وريف حلب القادمة، لا محالة، تبقى أهمية المعركة الراهنة في درعا التي شكلت بالمعنى التاريخي إهراءات روما ومستودعات قمحها، وشكلت بالنسبة إلى النظام خاصرة العاصمة دمشق، وتكمن هذه الأهمية بالنسبة إلى الأردن بأنها بوابة التبادل التجاري مع سورية من “معبر نصيب”، وأهميتها أكبر مع الجولان السوري بالنسبة إلى “أمن حدود إسرائيل”، هذا إضافة إلى أهميتها الرمزية كمهد الثورة الذي قاوم قدر المستطاع الانزلاق إلى تطرف (داعش) أو (النصرة)، بل كانت درعا منطقة خفض التصعيد الأولى في سورية، التي أنجزت بعيدًا عن مظلة أستانا، كاتفاق ما بين روسيا وأميركا والأردن وبمباركة إسرائيلية أيضًا.

يبدو أن معركة درعا الآن تمثل حصيلة التوافق الدولي الأخير، لإنهاء ما تبقى من حلم الثورة الذي انطلق من درعا في آذار/ مارس 2011، وانتشر في كل الجغرافيا السورية، وجرى التعبير عن هذا التوافق الدولي بإعلان قاعدة حميميم الروسية في الساحل السوري بيان نعي لاتفاقية خفض التصعيد في الجنوب، على الرغم من اعتراض وزارة الدفاع الروسية اللاحق؛ ما يشي بأن الصفقة المنتظرة بين موسكو وواشنطن قد أُنجزت ملامحها الأولية، وبتوافق إسرائيلي أردني أيضًا، بانتظار أن تضع قمة ترامب بوتين صيغتها النهائية قريبًا.

يُجمع بعض الساسة والمحللين على أن جذر التناقضات السابقة يكمن في غياب أي استراتيجية أميركية واضحة ومتكاملة لما يحدث في المنطقة وسورية تحديدًا، كما عبّر السناتور جورج ماكين، في أكثر من مناسبة، فيما يعبّر بعض آخر عن أن الاستراتيجية الأميركية المعتمدة كانت، وما تزال، تقوم على إدامة الصراع لاستنزاف كل القوى المشاركة فيه، إلا أن الأمر انتهى مع الصفقة القادمة بين الإدارة الأميركية وروسيا إلى انتصار جديد للمايسترو بوتين، فهو الذي أقنع الرئيس باراك أوباما بأن يتخلى عن خطوطه الحمر مقابل تسليم الأسد لسلاحه الكيمياوي، كما نجح أخيرًا في إقناع خلفه ترامب بالتخلي عن استبعاد الأسد الصغير، الذي كان لقبه المفضل في تغريدات ترامب: “حيوان”، والقبول به كركتر رئيس في دمشق، مقابل تحقيق الشرط الأميركي بإخراج إيران من سورية، ومنح شروط إضافية لـ “إسرائيل”، قد لا يتم الإعلان عنها حاليًا، بقصد الحفاظ على هيبة ذاك الكركتر.

غياب الاستراتيجية الأميركية أو تخليها عن سورية، سمح لبوتين بأن يتجاوز أزمته الاقتصادية وعزلته الدولية، مستعيدًا أحلامه القيصرية، بعد أن تحول إلى مايسترو يقود سمفونية السياسة الدولية، ولن تكون خيبة ترامب، بخصوص إخراج إيران من سورية، أقلَّ من خيبة سلفه أوباما بخصوص نزع مخزون سورية الكاذب من السلاح الكيمياوي، أو من خيبته بخصوص الاتفاق النووي مع طهران؛ فروسيا لن تتخلى عن إيران قبل أن تفرض كامل شروطها الاستراتيجية على الإدارة الأميركية، التي يمكن أن تكون صفقة الاعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم مجرد بداية متواضعة لها.

تبقى هذه التخطيطات محض نظرية بشأن سورية، ينقصها الكثير من فهم تعقيدات الحالة السورية، لجهة اعتبار طهران مجرد بيدق على الخريطة السورية، فيما نظام ولاية الفقيه، إن لم تسقطه الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية المستمرة في إيران منذ شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لن يقبل الرقص كغيره على إيقاعات الحاوي بوتين، فهذا النظام بعد أن نجح في تصدير أيديولوجيا التشيع المذهبي، وبات يمتلك حضورًا في أكثر من دولة عربية، عبر “أحزاب الله” التي تأتمر بإمرته، ولن يكون لكركتر الأسد الصغير أي سلطة على تلك الميليشيات المنضوية في إطار ولاية الفقيه، حتى لو خرجت إيران من سورية.

غير أن ما ينقض تلك التخطيطات النظرية أولًا وآخرًا، هو غياب أو تغييب السوريين عن قضيتهم، فبعد أن خسرت المعارضة السورية كامل رهاناتها، وبكل أطيافها، وخسر النظام أي قيمة أخلاقية أو سياسية له في حاضر سورية ومستقبلها، سيبقى السوريون يملكون أحلام الحرية والكرامة، وينشدون وهم يصنعون المستقبل: “كم هي غبية هذه السلالة التي لم تكمل العدّ حتى الثلاثة”!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق