هموم ثقافية

العمليات اللا تجميلية على الدراما العربية والإعلام

لم تعد ظاهرة ما يسمى “عمليات التجميل”، على وجوه الممثلات العربيات، ظاهرةً عابرةً، بل أصبح عدم فعل هذا الفعل التدميري هو الشاذ، وربما أصبح مستحيلًا.

يقول درويش: إن التشابه للرمال وأنت إلى الأزرق.

الدراما، بكل أصنافها الأدائية: مسرح، سينما، حتى تقديم نشرات الأخبار والبرامج بأنواعها، تعتمد على الوجه، الذي يحمل ويعبّر عن مجمل المشاعر الداخلية، الوجه الذي يكون الشاشة الحقيقية والصادقة عن التعبير الحسي، فرحًا وحزنًا واندهاشًا. ثم يأتي بعد الوجه الصوتُ الذي يتناسب بتناغم كيميائي هارموني مع تعابير الوجه المركبة.

الوجه مغطى بعضلة رقية مرتبطة بمجموعة من الخطوط العصبية، متصلة مع الدماغ. ومنها العصب الرابع والثالث والخامس والسابع. والعضلة تستجيب لأوامر الدماغ الحسية ببصمة يصعب تقليدها، وهي هوية الوجه العامة، كشكل للشخص، وهوية التعبير الخاصة به، في لحظات الانفعال الضروري لأي تعبير، ومنها التعبير الأدائي في عملية التمثيل.

عمليات التجميل متنوعة، منها عمليات حقن مادة البوتكس وما شابهها، والأخرى عمليات جراحية، كتصغير الأنف أو تغيير فتحة الفم. والعمليات الجراحية، منها ما هو ضروري، كإلغاء أو تجميل التشويهات الخلقية، أو من جراء الحوادث، وهذا موضوع خارج مبتغى ما أكتبه، فهو ضرورة طبية وكلينيكية، يقررها أطباء، ربما ليس لهم علاقة بالتجميل، كأطباء الأنف والأذن والحنجرة، وأطباء التنفس وغيرهم.

إن عمليات “البوتكس” هي الأخطر على الدراما وتعابير الوجه الإنسانية والفنية.

إنها عمليات نفخ (حقن) بهذه المادة؛ ما يصيب الوجه أو عضلة الوجه (أداة التعبير الأولى للمشاعر) بالشلل الجزئي أو الكلي، بحيث يصبح التحكم بتفاصيل بصمة الوجه التعبيرية غاية في الصعوبة وربما الاستحالة. وبسبب هذا الحقن، تصبح الوجوه كلها متشابه في الشكل والتعبير، ثم يأتي الصوت لإنقاذ الموقف، لكنه يصبح –أيضًا- مصابًا من خلال حقن الشفتين اللتين تصبحان بحالة عجز عن التجاوب، كمخرج صوتي أساس، فكلنا يعرف أن اللغة تخرج من خلال اهتزاز الأوتار الصوتية في الحنجرة وحركة اللسان والشفتين.

تنقسم الأحرف إلى ثلاثة أنواع، حسب مرور الصوت من خلالها..

الأولى: الأحرف الحلقية.

الثانية الأحرف اللثوية “اللّثة”

الثالثة الأحرف الشفوية.

في عمليات الحقن بالبوتكس وما شابهه، نكون قد أوجدنا خللًا في ثلث الأحرف (الأحرف الشفوية)، وتصبح الكلمات مشوهة والأداء مختلًا، وغير قادر على التعبير، كما تقتضيه الحالة الصوتية واللغوية، ولا تتناسب مع تعابير الوجه، الذي هو بالأساس مصاب بحالة تدميرية، لكامل التضاريس الروحية للمؤدي أو الممثل/ة.

إن انتفاخ الوجه، أو جعله كتلة متجانسة، يؤثر على أهم ما يمكن التعبير عنه وهو العينين، حيث تصبحان غائرتين خارج بريق المعنى. يقول ميخائيل روم (أحد أهم أساتذة السينما في العالم): “نستطيع أن نفعل أي شيء في السينما، سوى خلق عينين ذكيتين”، والذكاء المقصود هنا، هو قدرة السينما على الولوج في عينين لا تعبران عن المعنى وعمق الفكر، والقدرة التفاعلية مع الحس المطلوب التعبير عنه، من قبل الممثل.

ظاهرة هذه الجريمة التدميرية على الوجه للممثلات العربيات، أصبحت قضية إنسانية أولًا، وقضية فنية تعبيرية تجعل المتلقي (المشاهد) غيرَ قادر على التفاعل مع الممثل، وغير مقتنع بحزنه وفرحه وأي انفعال ضروري، للحالة المطلوبة تعبيريًا.

قضية إنسانية، من ناحية الأمراض التي تنتجها هذه المواد الغريبة على بيولوجيا ومناعة الجسم، فيتم رفضها، وخلق حالات قد تؤدي إلى أمراض مزمنة أو موت مؤكد.

وأخيرًا، تجسيد أشكال متشابهة للشخصيات الدرامية، حيث تضيع الفروق اللازمة، حتى بين الأم والبنت والحفيدة أحيانًا…!

ما الذي نحتاج إليه لمقاومة هذه الظاهرة الكارثية للمجتمع والفن؟

هل أصبحنا نحن -العاملين في صناعة الدراما- محكومين بهذه الظاهرة، ولا انفكاك منها، وهل بتنا عاجزين –أحيانًا- عن وجود شخصيات نسائية ناجية من هذا الخراب؟!

هل نحن بحاجة إلى حملة مكثفة من التوعية الصارمة والواسعة، عبر وسائل الإعلام المتاحة كلها؟ يساعدنا فيها الإعلاميون والأطباء الجراحون الذين يجنون أموالًا هائلة، من وراء هذه الظاهرة المريضة، أم نحتاج إلى الأطباء النفسيين، لتوضيح كامل الكارثة من الناحية النفسية، التي هي جزء من عملنا، والحالة التدميرية للصحة العامة والخاصة.

ختامًا، هذه الظاهرة شوهت الأعمال الفنية وواجهات الإعلام، من مقدمات برامج وإعلاميات، وقد آن الأوان للوقوف عندها مليًا، فللعمر، في أي مرحلة من مراحله، جماله الخاص به، وما علينا سوى تعبئة أرواحنا بالحياة، فينعكس على هويتنا الأولى، وهي وجوهنا كما تربينا معها ودربناها ثانية ثانية.. فلندع الزمن يرتسم على وجوهنا، فهو حصيلة ثروتنا التي جنيناها، عبر أعمارنا وحيواتنا المتنوعة والخاصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق