“كوشنر” السوري يبحث عن صفقته

لنا أن نتخيل أنّ قضية كـ “فلسطين”، وهي نظريًا قضية العرب الأولى، يتم الطعن بها “بصفقة قرن”، وفي تفاصيلها جهود ضخمة لثني الفلسطينيين عن حقهم، ولنا أن نتخيل أيضًا، على الضفة الأخرى، قضية السوريين التي لا تقلّ أهمية عند سماسرة المجتمع الدولي، لتحويل قضيتهم إلى صفقة، كتلك التي يجري تسريب تفاصيلها على أنها ستكون “صفقة القرن” الحادي والعشرين.

منذ بداية الثورة السورية، نجد أن التعاطي الرسمي العربي والدولي يتم على أسس الصفقة التي لا تهدد وظيفة النظام في دمشق؛ إذ لم تكن مناقشة جرائم الحرب التي ارتكبها الأسد منذ سبعة أعوام واردة في قاموس التعاطي مع المجرم، إلا لأهداف باتت أكثر من مكشوفة، وقد فتحت سخونة التصريحات الدولية تارةً، وبرودتها تارة أخرى، الطريقَ للأسد نحو الفاشيّة.

كلّ جرائم الحرب والإبادة الجماعية والهجمات بالأسلحة الكيمياوية والغازات السامة، التي شهدتها المدن والقرى والأزقة السورية، كانت مقدمات لما وصلت إليه حال المجتمع السوري والثورة لسورية. درعا ليست عنوان الخذلان، فكل ما جرى في سورية عناوين فاقعة ومخزية، لكنها تعبّر اليومَ صراحة عن رغبة دولية وإقليمية في القضاء على الثورة، وتمكين الفاشي من إعادة سيطرته، وعلى ذلك؛ لا يجد ساسة المجتمع الدولي حرجًا في طرح الأمر على نحوٍ يوحي بـ “رغبة” الأطراف في وقف العنف، هذه الرغبة تصدر عن الأمين العام للأمم المتحدة وممثله ستيفان دي ميستورا، وكلهم شهود زور على جرائم مماثلة في كل مناطق سورية.

الصفقة الجارية لا تقلّ بؤسًا عمّا تشهده القضية الأم فلسطين، على اعتبار أن توأمتها السورية لا تقلّ خطورة، في مطالبها بالحرية والكرامة والمواطنة، على المحيط الرسمي العربي، الذي يضخ بعض اقتصاده لإسناد الأسد، وبعض ذخائره لقتل السوريين، وبعض مرتزقته لإعانته على السيطرة. هذا ليس نشرًا لغسيل قذر هو منشور بالأصل، فكما يُطالَب الفلسطينيون بالقبول بمحتلهم وقاتلهم مقابل رشى عربية ودولية، يُطالب السوريون بالقبول بقاتلهم وحاكمهم، تحت مخرجات السمسرة السياسية منذ سبعة أعوام، بتضخيم ترهات الحديث عن مفاوضات مع المجرم أو دستور هنا وجلسات هناك، دون الاقتراب من الجرائم وغيرها التي تفضي جميعًا إلى إسقاط الأسد ومحاكمته.

ما يجري في درعا، بقراءة متيقنة لأي متابع، هو صورة طبق الأصل عن صفقات مشابهة، تم فيها طعن السوريين مرات عدة، استعلاء على مجازر الأسد وجرائمه، ولكن من أجل ماذا؟ لتمرير صفقة الاستمرار في الوظيفة التي أكدت عليها موسكو وتل أبيب وواشنطن ودول إقليمية أخرى تعمل على تفكيك منهجي للنضال السوري. قبل سنوات قليلة كانت تدور نقاشات خجولة عن مصير نظام الأسد، اليوم تدور نقاشات عالية للعمل على إخضاع كل السوريين لسلطة الطاغية، وليقبلوا بما يمنّه عليهم من جرائم وأكاذيب.

أخيرًا: إذا كان لصفقة القرن الفلسطينية عرّاب مثل جاريد كوشنر؛ فإن لصفقة قبول السوريين بطاغيتهم عرابين كُثرًا، ومجرمين أكثر تحالفوا مع السفاح من فوق الطاولة وتحتها. يظن كثيرون أن تمرير الخديعة، في شقها الفلسطيني أو السوري وبالعكس، سيسهل كثيرًا الاستفراد بأحدهما، بعد اعتقاد البعض “الثوري” أن حالة الانفصام والانفصال عن الشارع العربي ستنجيه من صفقات، ومن طعنات لا يمكن ردها من دون الاحتماء بشعبه وعمقه الوطني والإنساني.

قد يحصل كثير من الصفقات والمؤامرات، مثل تلك التي وقعت على الشعب السوري، والتي تجري على ملايين الضحايا اليوم، لإبرام معاهدات وصفقات على حساب الدم السوري، لكنها تبقى هزائم مؤقتة، فأحلام السوريين والفلسطينيين لن يبددها سماسرة اليوم، من أصدقاء كوشنر والأسد ونتنياهو وبوتين وروحاني وغيرهم، وأوهام البحث الدولي عن “كوشنر” سوري يُقنع السوريين بسفاحهم بصفقة جديدة، هي ألاعيب مكشوفة لا يقبلها طفل حوراني، قالها يومًا للأسد “بدك تنقلع”.