في إحدى البلدات اللبنانية، معضلة تقسم اللاجئين: البقاء أو العودة إلى سورية

الصورة: لاجئون سوريون بالسيارات باتجاه نقطة تفتيش في عرسال، لبنان. يوم الخميس، 28 حزيران/ يونيو، حيث عبر 294 سوريًا الحدود إلى بلادهم في أول قافلة مخطط لها من البلدة. (لورنزو توغنولي لصحيفة واشنطن بوست)

نفثت الشاحنات المهترئة واهتزت بينما تتمايل/ تتأرجح على الطريق المفتوح، وأخيرًا حملت ركّابها السوريين إلى ديارهم.

قبل ذلك بساعات، تحولت ساحة انتظار السيارات المؤقتة المليئة بالتراب والغبار، إلى مسرح لأعمال الدراما الإنسانية خلف رحلة العودة الاستثنائية، بمشاهد من الفرح والحزن حيث ودَّع حوالي 300 لاجئ عائلاتهم، وتكدسوا في السيارات، تاركين المخيمات في بلدة عرسال اللبنانية نحو مدنهم في سورية.

تؤكد القافلة، التي نظمتها جزئيًا السلطات اللبنانية والوكالات الأمنية التابعة للرئيس السوري بشار الأسد، كيف أدت الظروف المتدهورة هنا إلى معضلة مدمرة ساهمت في تقسيم العائلات: يجب على اللاجئين اختيار إما البقاء في بلد مضيف يزداد عداؤه لهم كثيرًا، أو العودة إلى منطقة الحرب.

في الوقت الذي يتباطأ فيه القتال في سورية على طول الحدود اللبنانية، ما يزال أكثر من مليون لاجئ مسجل في لبنان، كثير منهم حذرٌ جدًا من العودة إلى وطن تغيّر كثيرًا بعد سبع سنوات من الحرب. في الوقت الراهن، هناك مؤشرات قليلة على أن اللاجئين سيعبرون الحدود الصخرية بأعداد كبيرة، لكن صبر الحكومة اللبنانية ومواطنيها صار ينفد.

إحدى النساء، وهي تراقب الشاحنات تنطلق يوم الخميس، قالت: “لا توجد خيارات جيدة، عندما تنتهي هذه العودة، سيزداد الضغط علينا. على كل سوري أن يختار أحد الخيارين”.

وصفت العائلات عند نقطة التفتيش يوم الخميس عملية صنع القرار أنها محفوفة بالشك والتوتر. فالبعض أراد العودة، أو اعتقد أن الحياة في لبنان أصبحت أسوأ من الخيارين السيئين، لكن آخرين عدّوا هذه العودة قبولًا غير مبرر بحكومة سورية، تواصل قتل المدنيين بوتيرة لا مثيل لها من قبل أي طرف آخر في الحرب.

كانت حميدة خنّار واقفة وسط الفوضى في حاجز وادي حميّد، عرسال، على بعد حوالي 10 أميال من الحدود السورية، تضع رأسها على كتف والدتها، حليمة، في الوقت الذي تبكي المرأة العجوز.

حميدة خنّار، وشريفة الخطيب، تقفان في ساحة منزلهما في عرسال يوم الخميس. غادرت أمهما إلى سورية في ذلك الصباح للانضمام إلى القسم الآخر من العائلة الذي ما يزال يعيش هناك. من منزلهم، يمكنهما رؤية الجبال التي ترسم الحدود مع سورية. (لورنزو توغنولي لصحيفة واشنطن بوست)

بالنسبة إلى المرأة التي تبلغ من العمر 66 عامًا، كانت العودة إلى سورية هي الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. وأضافت قائلة إن عائلتها هناك بحاجة إلى وجود أمٍ، من بعد أربع سنوات طويلة من دونها، وهي بالكاد تعرفت على حفيدٍ لم تره منذ خمس سنوات.

وقالت حليمة: “سأرحل بسبب كرامتي، الله وحده يعلم ما سيحمله المستقبل، لكن على الأقل سأعود إلى البيت”.

لكن بالنسبة إلى خنّار، البالغة من العمر 36 عامًا، وهي أمٌ لولدين، فإنها تخشى على ولديها في سورية، لأن العودة في هذه المرحلة لا مجال للتفكير فيها/ مستحيلة.

قالت، وهي تحضن أمها، وتحاول قهر دموعها: “عندما ستغادر، سيتقطع قلبي، سأفتقدها في اللحظة التي تعبر فيها تلك الحدود، لكن عليّ اختيار أبنائي”.

لبنان الذي كان عدد سكانه 4 ملايين نسمة قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كافح لاستيعاب تدفق أكثر من مليون لاجئ مسجل. وعلى الرغم من حصول العديد من الأشخاص على الدعم من الأمم المتحدة، فإن السوريين ليس لديهم إلا حقوق محدودة للعمل أو الوصول إلى الرعاية الصحية، كما أن الإجلاء القسري من مخيمات اللاجئين المؤقتة آخذ في التزايد.

بينما أغلقت أوروبا والولايات المتحدة حدودهما أمام تدفق اللاجئين السوريين، استاء السياسيون اللبنانيون استياءً شديدًا من عبء الرعاية الذي رُمي عليهم.

لكن اللاجئين وقعوا ضحية لتاريخ معقد. فالجيش السوري احتلَّ لبنان بين عامي 1976 و2005، مما أثار شكوكًا لدى بعض اللبنانيين الذين يرتبطون بحكومة أجنبية تحكّمت في السابق بسياسة البلاد، ويُعتقد على نطاق واسع أنها وراء اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

لاجئون سوريون يغادرون عرسال يوم الخميس. كافح لبنان لاستيعاب تدفق أكثر من مليون لاجئ مسجل من البلد الذي مزقته الحرب. (لورنزو توغنولي لصحيفة واشنطن بوست)

في عرسال، قالت السلطات المحلية إن حوالي 3000 لاجئ سوري قدموا أسماءهم، ليتم تدقيقها من قبل الحكومة السورية، مقابل فرصة العودة إلى ديارهم.

بالنسبة إلى أولئك الذين يتم الموافقة عليهم، فإنهم يُعطون فترة سماح مدتها ستة أشهر، وفي غضون ذلك يجب على الشباب في سن التجنيد إما الالتحاق بالجيش أو دفع غرامة قدرها 8,000 دولار. لا تزال مصداقية هذا الضمان غير مُختبرة، وبسبب النقص الكبير في القوة البشرية ضمن الجيش السوري، عدد قليل في عرسال يعتقد بمثل تلك الضمانات.

ومن المتوقع أن يسافر أكثر من 400 شخص إلى وطنهم كجزء من قافلة يوم الخميس. لكن في الوقت الذي انطلقت فيه الشاحنات، لم ينضم إليها سوى 294 شخصًا، كما قال مكتب الأمن العام اللبناني.

يبدو أن السوريين الذين يصعدون متن الشاحنات المزدحمة والجرارات الزراعية هم من كبار السن وأحفادهم الصغار. بالنسبة إلى المغادرين، فإن ساعاتهم الأخيرة في لبنان كانت تعني مجموعة من الأمنيات والتوديعات.

“أنا ذاهب إلى البيت/ الوطن، هل يمكنك أن تصدق ذلك، “أنا رجل عجوز، ولم أعتقد قط أنني سأرى أرضي مرةً أخرى. لدي أشجار، وأشجار فاكهة كبيرة. غدًا، سأجلس بينها، فقط أحدق إلى كل واحدة فيهم”، هذا ما قاله أحد الرجال، الذي أعطى اسمه الأول فقط، محمد، بسبب مخاوفه على سلامته في سورية.

كانت زوجته أقل تفاؤلًا. وتحدثت من دون أن تذكر اسمها للسبب نفسه: “أردت البقاء هنا مع أطفالي، لكن ماذا أفعل، نحن نفعل ما يريده زوجي”.

وفي زاوية أخرى من موقف السيارات المؤقت، قام شاب بزرع قبلة بعد أخرى على رأس طفلته، قبل تسليم حقيبتها إلى السائق العجوز. عندما دار محرك الشاحنة، غطى وجهه، ولوّح قبل أن يغرق في نوبات بكاء صامتة، وعندما سُئل هل زوجته على متن السيارة؛ أومأ برأسه، وقال: “لقد ماتت”.

لا يزال البحث عن مصير مئات العائدين السابقين من لبنان إلى سورية غير حاسم، وبسبب النقص الكبير في الجنود لدى جيش الأسد، قالت خنّار إن المراهنة على مصداقية وعود الحكومة ليست خيارًا. وقالت: “إذا كانت مجرّد خدعة، فلن يساعد أحد أبناءنا”.

وأضافت خنّار: بقيت عائلتها في قريتهم (فليطا)، خلال ثلاث سنوات من الحرب، وأخيرًا فرّت في إحدى ليالي عام 2014، عندما قصفت غارات جوية حيًّا مجاورًا، حيث تكدّس الأطفال معًا خوفًا تحت فراشهم. “كان عشاؤهم ساخنًا عندما غادرنا”.

لكن السنوات الفاصلة كانت قاسية وتزداد قسوةً أكثر. ومثل العديد من العائلات السورية في لبنان، فقد كانوا يستلمون الحصص الغذائية التي تقدمها الأمم المتحدة، لأن الدخل الضئيل الذي يمكن للأقارب الذكور تحويله إلى الوطن من خلال أعمال البناء، مع تضييع بعض الأسابيع بعد رفض الرؤساء المسيئين دفع أجورهم. أثبتت الرعاية الصحية أنها باهظة التكاليف، وعانى الأطفال من أجل التكيف، متخلين عن العديد من مراحل تعليمهم، ومن دون الحصول على الدعم النفسي، والنمو خائفين غاضبين، عندما تهدأ العاصفة.

وقالت خنّار: “الحياة هنا تبدو مستحيلة، لكن على الأقل لا يوجد قتل، على الأقل لا توجد حرب، نحن نعلم أن يومًا أكثر إشراقًا سيأتي لنا. أتمنى لو كنت أعرف متى سيأتي”.

اسم المقالة الأصليIn one Lebanese town, a dilemma divides refugees: to stay or return to Syria
الكاتبلويزا لافلك، Louisa LoveLuck
مكان النشر وتاريخهواشنطن بوست، The Washington Post، 30/6
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/world/middle_east/in-one-lebanese-town-a-dilemma-divides-refugees-to-stay-or-to-return-to-syria/2018/06/29/29031750-749a-11e8-bda1-18e53a448a14_story.html
عدد الكلمات1070
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون