الشعب يريد.. بحث جذري في الانتفاضة العربية

الشعب يريد..” إسقاط النظام الاستبدادي، هو الشعار الذي توهج في سماء الربيع العربي، والذي أنتجته النخبة التونسية، إثر حريق البوعزيزي نفسه ردًا على الظلم والاستبداد المفروض على المجتمع، والذي تم اشتقاقه من شعر أبو القاسم الشابي “إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر”. وللمرة الأولى، تندفع الإرادة الشعبية إلى الشارع مطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية.

يميل مؤلف الكتاب جلبير الأشقر، إلى تسمية الانتفاضة التي تشكل “سيرورة ثورية طويلة الأمد” قد تمتد سنوات أو عقود، وهي تنتج عن التوفيق بين الطبيعة الثورية للحدث، وعدم اكتماله، باعتبارها لم تدعُ إلى حلّ الأسباب العميقة للانفجار الذي أشعل المنطقة، وهي التي تقتضي تغيرات جذرية اجتماعية – اقتصادية عميقة.

ينطلق في بحثه عن استكشاف الجذور العميقة لظاهرة الانتفاضات العربية، من أن علاقات الإنتاج في تناقضها مع قوى الإنتاج، تتحول إلى قيود تعيق هذه القوى فتحدث الثورات، لتقيم علاقات إنتاج جديدة، كما حصل في الثورة الفرنسية 1789 والثورات الأوروبية 1848. لكن هذه العلاقة ليست مطلقة. ولا يفرز هذا التناقض بقوته المحضة “حالة أو قطيعة ثورية”.

ويرتكز إلى مفهوم “التوسر” لهذا التناقض، بأنه نتاج “لتحديد تضافري”، وهو نتاج لتضافر تحديدات عديدة تنبع من طبقات متنوعة. حيث يقتضي الأمر تراكم ظروف وتيارات، أيًا كان أصلها، بحيث تنصهر في وحدة قطيعة، تؤدي إلى أن تفرز تجمعًا للغالبية العظمى من الشعب في هجوم على نظام صارت طبقاته الحاكمة عاجزة عن الدفاع عنه.

فالانفجار الثوري وحده هو المحدد تضافريًا، بمعنى أن تفاقم الإعاقة البنيوية لتنمية القوى المنتجة، مصحوبًا بعوامل ظرفية وإقليمية ودولية تسهم في تأجيج التوازن، يفضي إلى هبة ثورية شعبية تقود إلى أزمة سياسية جسيمة. وتحول الانتفاضة إلى ثورة يقتضي قدرة ذاتية، وهذه الأخيرة لا يمكن أن تكون محددة تضافريًا.

فالتجلي الملموس للتناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج يأتي عبر تفحص النمطيات الخاصة التي تعيق الإنتاج، والتطورات البنيوية والظرفية، والاتجاهات السياسية الإقليمية والدولية التي تساهم في توليد الانفجار.

لذلك، يبحث المؤلف -بشكل عام- في الواقع الاقتصادي-الاجتماعي، مستندًا إلى الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة، المتعلقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا mena))، التي تشير إلى العوائق المهمة في التنمية الاقتصادية والسياسية. والنتائج السيئة لنصيب الفرد، التي تؤشر إلى ارتفاع حالة الفقر للذين يعيشون على أقل من دولارين يوميًا (23,8 بالمئة في تونس، 30,1 بالمئة سورية، 53,9 بالمئة مصر)، إضافة إلى البطالة، وعدم تشغيل الشباب، (30 بالمئة) وخاصة المجازين من الجامعات، والنقص في تشغيل النساء، مما يجتمع الفقر مع اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، واللاستقرار. وهذه الثلاثية تزرع البذور الرئيسية للثورة. التي تؤدي إلى تغيير جذري في العلاقات الاجتماعية والبنى السياسية، على أساس نمط إنتاج متجدد. وبحيث إن قوة الإنسان البشرية هي العامل الأهم في قوى الإنتاج.

وفي موضوعنا، إن أزمة البلدان العربية تعاني من أسباب خصوصية تتعلق بخصوصية نمط الإنتاج العربي. وهذا لا يؤدي إلى إلغاء نمط الإنتاج الأساسي، إنما إلى تغيير الوظيفة أو نمط التنظيم.

فالاقتصاد الموجه، وفق الطريقة السوفيتية، فشل في مهمة تخطي التخلف واستيعاب الانفجار الديموغرافي. مع أن المعدلات المرتفعة للاستثمار في شرق آسيا، تضطلع بها الدولة بما فيها الصين.

وبالتالي: ماهي خصائص نمط الإنتاج السائد عربيًا، التي تشكل أسباب إعاقة التنمية؟

يصنف جلبير بين النظام الميراثي patrimonialism، وهي بتعبير ماكس فيبر: سلطة مطلقة ووراثية قادرة على التعامل مع حاشية من الأقارب والمقربين، تستملك الدولة بعناصرها الثلاث: القوات المسلحة، والوسائل الاقتصادية، والإدارة والاعلام. وهي دول الخليج، والسعودية وكافة الملكيات الموجودة.

والنظام النيوميراثي، وهو نظام جمهوري سلطوي مؤسسي، مع درجة من استقلالية الدولة عن القادة السياسيين الذين يظلون عرضة للاستبدال. وعلاقة النظام مع الدولة ليست ملكية، إنما علاقة انتفاع مؤقت. وغالبًا يميل للتحول إلى نظام ميراثي، مثل العراق وسورية وليبيا واليمن.

وتوصف رأسمالية الدولة بـ “رأسمالية المحاسيب”، الممتزجة مع الرأسمالية التجارية المضاربة، حيث تغدو الدولة ومواردها كالبقرة الحلوب في نظر الحاكم الفردي وحاشيته، والتحولات النيوليبرالية هي فرصة مثالية لنهب الأموال العامة المتمثلة ببيع القطاع العام والأراضي الأميرية للمقربين.

وتستمد هذه المحاسيب أرباحها من أنشطة الحسابات لأشخاص أو جماعات سياسية، والسيطرة على التجارة الخارجية، وعن فرص الربح لوضع مهيمن يكفلونه، وعن معاملات غير عادية مثل التهريب والشغل بالممنوعات.. إلخ.

النمطية الخاصة لنمط الإنتاج الرأسمالي، مزيج من الميراثية ورأسمالية المحاسيب، لاعتمادها على الصادرات النفطية والمواد الخام: (28,5 بالمئة سورية، 93,3 ليبيا، 38,5 اليمن)، والذين يعملون وراء الربح قصير الأجل، والقطاع العقاري، والخدمات التجارية والسياحية، ونهب الممتلكات العامة، والتضخم والفساد، وهزالة سيادة القانون أو حتى غيابها، وهذه النمطية الخصوصية هي ما يعيق تنمية المنطقة.

لم يخطر في ذهنية المحاسيب إنشاء قطاعات إنتاجية متعددة، كما هو الحال مع التجربة التركية الناهضة اقتصاديًا وديمقراطيًا. إن الأتراك وضعوا الجيش في ثكناته، وشجعوا القطاع الخاص، في حين نصّب العرب سلطات عسكرية، واتبعوا المنهج السوفيتي الذي قمع وحاصر القطاع الخاص، وحطموا الحياة السياسية والمجتمع المدني.

وهبة النفط هي الهبة المسمومة للمنطقة العربية التي تحوز على (56 بالمئة) من النفط العالمي. وتعتبر أميركا وبريطانيا هما الراعيان للأنظمة النفطية في السعودية المتحالفة مع الوهابية، ودول الخليج، وهم الداعمون للإخوان المسلمين، التيار الأصولي في الانتفاضات، وللجهاديين بالعموم، والداعمين للأنظمة الاستبدادية العربية بحجة كاذبة “احترام ثقافتهم” التي لا يرونها مناسبة للحرية والديمقراطية، وصولًا إلى احتلال العراق في 2003، وتنصيب حكم طائفي فيه، حتى يستمروا في اللعب بين الصراعات الطائفية البغيضة، قطباه السعودية ودول الخليج، مقابل إيران، بعد تحولها إلى سلطة دينية أصولية، كما هو الحال في لبنان وسورية، والبحرين، واليمن، والعراق.

وليس صحيحًا القول إن الانتفاضات العربية هي صناعة أميركية، أو سعودية. حيث شعر الجميع بالارتباك من نهضتها، والانفجار الاجتماعي في المنطقة العربية ليس سببه الأزمة العالمية للرأسمالية، بسبب تركيبة صادراتها من النفط والمواد الخام. وليس بسبب إفلاس النيوليبرالية، لأن هناك تجارب ناجحة في آسيا وأميركا اللاتينية مثل شيلي والهند وتركيا.

ولأن الانتفاضات العربية أصيلة، خرجت من جوهر التناقضات الداخلية لأنظمة فريدة من نوعها في العالم، في الظلم وإرهاق شعوبها. وهي نتيجة للوضع الثوري في المنطقة، الذي يتمثل عدم قدرة الشعب العيش تحت ظل النظام، وهو بذاته يعاني من أزمة، وتفاقم بؤس وشقاء الشعب بسبب الثلاثية، الفقر، واللامساواة، واللااستقرار، وقمع الحريات، وحقوق الإنسان، والحياة السياسية والمدنية، وهي السبب الفعلي للانتفاضات العربية، وأصبح للشعب دور، بقدرته على إسقاط الاستبداد. وفيما بعد كان للدور الإقليمي تأثير في تأجيج الصراع العسكري، الذي أدى إلى انحراف الثورة عن أهدافها وتحويلها إلى شكل من الحروب الأهلية.

الوضع الثوري موجود في كل الأقطار العربية، لكن حتى يؤدي إلى الثورة يجب أن يترافق مع قدرة الطبقة الثورية على إسقاط النظام. لكن القوى السياسية المرشحة للقيام بالثورة، الليبرالية واليسارية والقومية، تعاني من ضمور تاريخي. وهذا جعل من الشباب عبر النت ووسائل التواصل، يقودون العمل الثوري، ويؤسسون التنسيقيات التي قادت الانتفاضات. لكن الأنظمة العربية لها طبقة شعبية قبلية وطائفية ومناطقية، وحلفاء إقليمين ودوليين، كما هو الحال في سورية، واليمن وليبيا، وفي المقدمة الحرس البريتوري؛ ما يجعل الانتقال السلمي نحو الديمقراطية مستبعدًا. ولذلك تحتاج الانتفاضة إلى تحطيم الحرس البريتوري للنظام، بغية إعادة تنظيمه من جديد، وبالتالي تحتاج الانتفاضة إلى تقويض لدور القوات المسلحة وكسب تعاطف الجنود وصف الضباط.

كشوفات الحساب تبين أن تونس ومصر وليبيا واليمن، استطاعوا إزاحة الرؤساء. أما سورية التي تحكمها أقلية مذهبية، ليست ذات طبيعة دينية، إنما عصبية صرفة، وغياب القيادة السياسية للثورة، وعدم التدخل الإيجابي من الدول الإقليمية والدولية لصالح الانتفاضة، سيؤدي حتمًا إلى مفاقمة دينامية الطائفية، مشمولة بالدعاية الوهابية المضادة، وكلما طال أمد الصراع أكثر مع بقاء النظام؛ ازداد غرق البلاد في صراع الهمجيات.

التسونامي الإسلامي الذي أطلقته الانتفاضات العربية، هو نقطة الذروة في بزوع الأصولية الإسلامية، وهي ظاهرة عابرة في مستقبل الانتفاضات العربية، نحو سيرورة ثورية مستمرة، ستفرز القيادة الحقيقية للثورات كي تحقق بناء الدولة الديمقراطية الحديثة للشعوب العربية، والخروج من الانسداد التاريخي الذي تعيشه.