شعْوَذات السلفيين الجدد

عرف النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين في العالم العربي عددًا من التطلعات التنويرية، في قراءة التراث الديني والفكري والأدبي، تنوعت بين محاولات نزع شوائب ما تراكم عليه عبر العصور من خرافات وتلفيقات، تمثلت، بوجه خاص، في التفسير الحديث للقرآن الذي قام به جمال الدين القاسمي في سورية، وفي أعمال الشيخ محمد عبده في مصر؛ وبين أخرى كان رائداها الشيخ علي عبد الرازق من جهة، وطه حسين من جهة أخرى، محاولات حاولت كلها قراءة تضع النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، من أجل غربلة كانت تنذر بثورة فكرية عميقة. سوى أن المحاولات الأولى بقيت قاصرة على فضاءات اجتماعية محدودة، لم تتمكن من تجاوزها إلى المؤسسات الدينية التقليدية القائمة التي كانت هدفها، ولا إلى الجامعية الحديثة التي بدأت آنئذ الظهور في الفضاء الثقافي العربي؛ أما الثانية فقد وئدت في مهدها، حين جُرِّدَ علي عبد الرازق من منصبه قاضيًا وصفته عالمًا، وجُرَّ طه حسين إلى المحاكمة، وسط حملة إعلامية شعواء قام بها سدنة التقاليد السلفية الذين كانت سلطتهم تهيمن على الفضاء الاجتماعي الشعبي، بما يحول بين أكثر الزعماء السياسيين وطنية، وبين الوقوف في وجه هيمنتهم، كما حدث لسعد زغلول الذي كان رئيسًا للبرلمان المصري آنئذ، واتخذ موقفًا ممالئًا لجمهور حزب الوفد ذي الغالبية العظمى المحافظة.

أدّى ذلك كله إلى استمرار هيمنة السلفية التقليدية في مصر، كما في سواها من البلدان العربية، وإلى قطع الطريق على كل المحاولات التالية الأخرى (نصر حامد أبو زيد أو فرج فودة أو سواهما)، أي تلك التي ستتخذ العقل منهجًا والبحث الحر وسيلة. ولسوف تعمل السلفية التقليدية هذه على تجديد نفسها، من خلال محاولتها احتلال فضاءات اجتماعية وثقافية، ما كان لها أن تستمر في الوصول إليها بواسطة خطاباتها التقليدية. هكذا ولد ما يمكن وصفه، ومن ثمَّ تسميته، بتيار الشعوذة الدينية التي اعتمدتها السلفية التقليدية طريقة لكسر التأثير الحاسم للحداثة، في تجلياتها الفكرية والعلمية والسياسية، على الأجيال الصاعدة.

نعلم أن الشعوذة، كما يعرّفها لسان العرب، “هي خفة في اليد، وأُخذٌ كالسحر يُري الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين”؛ والشعوذة أيضًا “السرعة، وقيل: هي الخفة في كل أمر”. والشعوذة التي استخدمتها السلفية التقليدية كي تجدد نفسها، بعد مغادرتها طريقتها المعتادة في الرجوع إلى النصوص، والوقوف عند حرفيتها دون أي اعتبار للزمان وللمكان، ستتجلى، بالفعل، في محاولتها القفز على طبيعة المفاهيم العلمية الحديثة في سياقاتها التاريخية، وعلى مناهج البحث العقلانية التي عرفها واستخدمها الإغريق ومن بعدهم العرب قديمًا، وصولًا إلى الغرب حديثًا، بل في إنكار أو تجاهل كليٍّ للقاعدة الأساس في أمور الدنيا، تلك التي استحدثها واعتمدها رواد الفقه الإسلامي في عصره الذهبي، أي تلك التي كانت سبب الإبداع في الاجتهاد: “لا ينكَر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان”.

لا يتوجه خطاب السلفيين في الأصل إلى جمهور يعرف مسبقًا استحالة الوصول إليه، أي جمهور النخبة الاجتماعية، الواعية ثقافيًا وفكريًا. بل يكتفي بجمهوره المعتاد، الذي يؤلف، تحت تأثير التطور الاجتماعي والاقتصادي الرديء طوال عهود الاستعمار التي ورثتها عهود الاستبداد، جمهوره من الأكثرية السكانية التي كانت تعتبر حاضنتة الطبيعية، بفعل الجهل والفقر ونقص التعليم. ولهذا حاذر السلفيون الجدد، وما يزالون يحاذرون، مقاربة المشكلات الأساس التي تشغل المواطن العربي المعاصر، مسلمًا أو غير مسلم. بل يطرحون ما يعدّونه هم (السلفيون) المشكلات الأساس التي “يجب” أن تشغل هذا المواطن بوصفها “أولوية”، ويجدون “نهج” الشعوذة أفضل طريقة لتحقيق غرضَين: إقناع جمهورهم بها من جهة، وصرف أنظار الجمهور الآخر عن المشكلات الأساس، حين ينشغل بمساجلتهم، أو في الردِّ على طروحاتهم، أو في تفنيدها، من جهة أخرى.

وهذه المشكلات التي يرون “وجوب” فرضها كأولوية ملحة وعاجلة، تتناول على سبيل المثال “الإعجاز القرآني”، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا على جمع القرآن وانتشاره في الآفاق؛ لا من خلال عناصر البلاغة والتصوير الفني التي حفلت بها خطابات ومؤلفات اللغويين والبلاغيين وبعض الفقهاء على مرِّ العصور، بل لإثبات هذا الإعجاز على صعيد العلوم المختلفة، والدقيقة منها بوجه خاص، وذلك من خلال ردِّ الاكتشافات العلمية الحديثة إلى القرآن، أيًا كانت مادتها وطبيعتها وجدتها ومجالاتها. هكذا، وقبل انتشار الوسائل السمعية البصرية، والرقمية منها مؤخرًا بوجه خاص، ثم الشبكات العنكبوتية، ووسائل التواصل الاجتماعي، نشرت مئات الكتب حول الكيفية التي سبق بها القرآن كل الاكتشافات الفلكية، والجيولوجية، والكيميائية، والطبية. ثم استعيد مضمون هذه الكتب اليوم على الشبكات العنكبوتية المعاصرة، من خلال مواقع أنشئت لهذا الغرض، أو عبر شاشات القنوات الفضائية الرقمية، تقدم فيها المنجزات العلمية عبر الآيات القرآنية بلغة تنوس بين التعقيد كتابة والتبسيط الشديد في التسجيلات الصوتية التي تستهدف، بطبيعة الحال، الشرائح الأوسع من المجتمعات العربية التي سبقت الإشارة إليها.

لكن الأمر يتخذ منحى آخر في مجال السياسة والتأويل السياسي للقرآن وللسنة النبوية، باعتبارهما النصوص المؤسِّسَة للتشريع الإسلامي. وهو منحى بدا واضحًا أن الظروف التي واجهها الإسلام السياسي بفصائله المختلفة، أي من أكثرها تطرفًا إلى أكثرها اعتدالًا، تفرضه من أجل استعادة مصداقية فقدها بضروب السلوك المختلفة التي سلكتها فصائله جميعًا. ولن يكون غريبًا ألا تحظى النصوص التي تكتب اليوم في هذا المجال بأي استقبال يضمن لها ولو حدًا أدنى من القبول به، بله النقاش والمحاججة فيه أو حوله. إذ إنها هي الأخرى، وعلى غرار استخدام الاكتشافات العلمية بوصفها كانت معروفة من قبلُ في القرآن أو في الأحاديث النبوية، أي إظهار الأشياء على غير حقيقتها في الأصل أو في رأي العين، أو الخفة في التفسير وفي تحميل النصوص ما لا يمكن أن تحمله إلا في ذهن من يقسرها على حمل ما يريد، تحاول صرف الأنظار عن المسألة الأساس، أو القفز عليها بطرح مسألة أخرى، بهدف جعل الأولى مسألة فرعية قابلة للإهمال إن لم يكن للإلغاء.

إذ بعد هذا الخراب الاستثنائي الذي تعاني منه اليوم سورية، بفعل نظام الاستبداد وحلفائه الموضوعيين من الجماعات الإسلامية التي رفعت علمها الأسود وألقت بعلم الثورة أرضًا، ما الذي يمكن أن يضيفه إلى وعي المواطن السوري الحديث عن “ديمقراطية الإسلام” أو عن “النبي الديمقراطي”، وهو يبحث عن الخيار الأفضل في مجال استعادة سورية وبنائها؟ وما الذي يعنيه هذا الطرح سوى العودة به إلى زمن مضى واندثر، من أجل إعادة لوك كل الصيغ الجاهزة التي ما أكثر ما كررت ونوقشت وقبلت أو رفضت لكنها لم تقدم شيئًا قمينًا بالتحول إلى واقع عملي حقيقي يمكن أن يقبله الجميع؟ وبالتالي، ما السؤال الملحّ، أو الأولوي، الواجب طرحه في هذه الحالة؟ هل هو هو سؤال العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، ومن ثمَّ قبول الإسلام أو عدم قبوله للديمقراطية؟ أم هو بالأحرى السؤال الذي يطرح إمكان أن يكون خيار الدولة المدنية الديمقراطية هو الخيار الأول والأساس، مقابل نظام الاستبداد والتسلط؟

من الواضح أن خيار السؤال هو خيار المستقبل.