أدب وفنون

أقلية بين النساء

كان مشروع سفر صديقة إلى الخليج للعمل هناك، بحثًا عن مزيد من المال، مناسبة لعشاء جميل، كنت فيه بطل السهرة، كوني الرجل الوحيد مع أربع نساء. لا تتعجلوا وتحسدوني، فقد كنت مقموعًا بينهن؛ فهن لسن نساء عاديات، وجميعهن مثقفات ومع الثورة ومتحدثات ماهرات، وبالتالي، فقد خسرت -جزئيًا- مهاراتي في الكلام أمامهن، وأنا الذي لا يتوقف عن تعداد محاسنه العقلية والجسدية. ولكن، للأمانة، كنت محلّ تكريم ودلال خاصين، وعندما دققت في الأمر اكتشفت السبب؛ كنت أقلية بينهن، كل واحدة تحاول إكرامي بطريقتها الخاصة، إما بقطعة من حلوى، أو بلقمة تبولة مع قلب خسة، أو بفنجان قهوة. ومن لم تدللني ماديًا، دللتني بالكلام، حتى كدت أظن أن مستقبل الكون كله مرتبط بوجودي.

هذا الدلال، لا أخفيكم، جعلني أفكر في أقليات سورية، وكيف أن الدلال أفسدها، وجعلها تحتلّ موقعًا في الحياة السورية أكبر من حجمها، وعندما قررَت “الأغلبية”، غير النسائية، إعادتها إلى حجمها الطبيعي، رفضت وتمسكت بامتيازاتها، مما اضطر الأغلبية إلى القيام بالثورة، ونحن وكلّ من ينتصر للحق معها، وندعم ثورتها هذه، لاستعادة حقوق الشعب، وتطبيق القانون على الجميع.

وكما هي عادة الانسان، عندما يكون غارقًا في النعيم، يظن أن هذا هو الوضع الطبيعي، ولا يتصور أن وقتًا آخر سيأتي فيغير قوانينه. لذلك، عندما قلت للسيدات ما كان يجول ببالي، كما هي عادتي، من مقارنات بين وضعي الأقلوي كرجل بينهن، توقفن عن الكلام وقررن، دون نقاش، إعادتي إلى حجمي الطبيعي، وتكليفي بتنظيف طاولة العشاء، ونقل الصحون إلى المطبخ وجليها، إلا أنني، من باب “الحرد” والتدليل على خاطري المكسور، بدأت بإحداث جلبة، بتكسير الصحون، مدعيًا أن الصدفة وحدها المسؤولة عن ذلك، ولكن مع تكرر الحجة وتكسير عدد غير قليل من الصحون الثمينة، قررت صاحبة البيت، بعد أن جمعت شظايا الصحون المحطمة وألقتها في سلة المهملات، ورأت أن غسيل الصحون لا يليق بسمعة بيتها وبسمعة مهاراتها في الطبخ والنظافة، قررت إعفائي من مهمة الجلي التي لا تليق “بدلال الأقليات” التي أنا أحد تعبيراتها الرجالية.

شكرت السيدات على هذه السهرة الجميلة مع حسناوات مثلهن، وعلى العشاء اللذيذ، وبخاصة على مديحهن لي، ووعدتهن ألا أكون أقلية بعد اليوم، بينهن. ولكن للأسف، ما إن تكررت السهرات المشابهة، حتى نسيت وعودي بالمساواة معهن، وسرعان ما عدت إلى نفش “ريشي” مثل أي ديك.

إن ممارسة المساواة بين الجنسين، كما بين الأقليات والأكثرية، تحتاج إلى زمن وتربية، وقوانين تشرعها دولة عادلة، وتحميها تشريعات تساوي بين مكوناتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق