مسلسل “الهيبة” ما بين الواقع والخيال

مع أول أيام عيد الفطر المبارك، خُتمت كل المسلسلات الرمضانية، ومنها مسلسل (الهيبة) من بطولة منى واصف وتيم حسن، الذي شغف به الكثيرون، كونه يمجد التشبيح والقوة الفالتة من نظام الدولة، بسبب دعم أنظمة الممانعة لمثل هذه العصابات. فجأة تنقلنا أحداث البقاع باقتتال آل جعفر وآل الجمل، إلى الواقع المرير للقرى اللبنانية، على الحدود السورية اللبنانية، ليقفز “نوح زعيتر” إلى الواجهة، كوسيط ما بين العائلتين، وليلعب دور بطل الهيبة “جبل شيخ الجبل”، ولمن لا يعرفه فهو رجل عصابات، يسرق وينهب ويزرع الحشيش ويهربه، في الدولة اللبنانية، على عينك يا تاجر.

الحقيقة أن مسلسل (الهيبة) يسيء إلى منطقة كاملة من لبنان، تقع تحت احتلال “الحزب الإلهي”، التابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وابتُليت بمركز قيادة المخابرات السورية في عنجر، الذي حمى سنوات طويلة عصابات، مثل عصابة جبل شيخ الجبل، وأبي سلمى وهولو، الذين كانوا ولا زالوا يحمون هذه العصابات، التي يتفجر الصراع ما بينها، بين الفينة والأخرى.

مسلسل (الهيبة) يستخف بعقول المشاهد، حيث ينقل الجزء الثاني أحداث ما قبل أحداث الجزء الأول، واضعًا جبل شيخ الجبل، في أحد سجون الأجهزة الأمنية السورية، دون أن يعرف المشاهد كيف وصل “جبل” إلى هذه المكانة والخطورة، حتى يفرد له النظام السوري وضعًا خاصًا، ولكن خاله، جمال عمران (نجاح سفكوني)، يستطيع بقدرة قادر أن يخرجه من السجن، ليسلّم إلى الدولة اللبنانية، التي يظهرها المسلسل مثل الزوج المخدوع، لا دور لها إلا التفرج على الصراعات هذه، وبطريقة مبتذلة تستلم الدولة اللبنانية، بدلًا من “جبل شيخ الجبل”، مجندًا سوريًا يلعب دور الأهبل، ولكن المخرج، سامر برقاوي، لا يظهر كيف تم هذا الاستبدال، داخل الشاحنة وفيها عساكر من السلطات السورية.

“جبل شيخ الجبل”، يجسد دور زعيم العصابة، الذي يقتل ويضرب، ولكنه كالملاك الحارس، طيب القلب يحمي الهيبة كلها، ويضبط عمليات التهريب، عبر الخط العسكري الشهير، الذي ادعت كل من السلطتين السورية واللبنانية بأنه أقفل، ولكن على أرض الواقع، ما زال هذا الخط مفتوحًا، حيث يمر عبره الكثير الكثير، من رجال العصابات اللبنانيين، للقتال إلى جانب النظام السوري، ومع الرجال تنتقل المخدرات والممنوعات بكافة أشكالها، ومنها الرقيق الأبيض، حيث تزدهر الدعارة بحماية رجل العصابات “هولو”، الذي يجسد العصابات المحمية من قبل جهةٍ ما في سورية، بالطبع غير معروفة، ويمثلها جمال عمران، منظم حركة التهريب هذه، حيث تنتقل الممنوعات من وإلى سورية، والمستفيد الأساسي هو هذه الجهة التي تمثل بالطبع جهة ما في النظام السوري.

يتحول جبل شيخ الجبل (تيم حسن) بقدرة فائقة إلى رامبو؛ حيث يستطيع أن يهزم -وحده- كل عصابة أبو سلمى، وهو حلّال كل المشاكل، هذا الدور المبتذل، الذي لم يعد يتقبله حتى المشاهد البسيط، وهو لا يستطيع أن يقوم بكل هذه البطولات إلا بعد موافقة ورضى الجهة السورية المستفيدة.

أين هي الدولة اللبنانية، التي ترغي وتزبد، على اللاجئ السوري، فهي أمام هذه العصابة لا حول ولا قوة لها، فهي تلعب دور الكومبارس، الذي لا يستطيع حتى أن يدخل إلى دولة الهيبة، التي تجسدها في الحقيقة وعلى أرض الواقع، دولة (حزب الله) وحركة (أمل)، حيث هذه المنطقة المرسوم حدودها لا يمكن أن تدخلها السلطات اللبنانية، وإن فعلت، فهي تدخلها بعد موافقة دولة (حزب الله) و(أمل).

هذا الدور الضعيف للدولة اللبنانية ناتج عن احتلال نظام الأسد الأب والابن، للبنان بمباركة أميركية، حيث أصبحت السلطات اللبنانية أشبه بسلطة الظل، والسلطة الحقيقية هي للنظام الأسدي الذي يتحكم في لبنان، بموافقة أميركية، الذي اقتطع لحافظ الأسد، كمكافأة لمشاركته في حرب الخليج الثانية، نتيجة اجتياح صدام حسين دولة الكويت.

جاء مسلسل (الهيبة)، على الرغم من المشاهد الرامبوية الباهتة، ليضيء على قذارة دور سلطة الاحتلال السوري للبنان، لمدة طويلة وبشكل علني، مع أن هذا الدور ليس بالجديد، فقد كان نظام حافظ الأسد، منذ سبعينيات القرن العشرين، قد وضع مكتبًا تديره المخابرات السورية في لبنان، حيث كان يخطف ويغتال، حسب الأوامر التي تأتي من دمشق، وليس اغتيال محمد عمران، وخطف الصحافي اللبناني الكبير ميشيل أبو جودة، ليكسروا قلمه ويحرموا القراء من هذا الصوت الحر، إلا نموذجًا.

مسلسل (الهيبة) ليس خيالًا، بل هو واقع مرير ومؤلم في لبنان، الدولة المستضعفة والمستباحة، التي تتحكم فيها دويلة (حزب الله).