هل ترسم أزمة (أكواريوس) خريطة طريق أوروبية لمصلحة اللجوء السوري

منذ اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا؛ توقف طريق البلقان الشهير، وانخفض عدد المهاجرين كثيرًا، وتوقفت حركة اللجوء السورية التي تُعد هجرة لجوء إنساني سياسي من الدرجة الأولى، نتيجة الظروف المرعبة التي عاشها ويعيشها السوريون في بلادهم، هربًا من الحرب الدائرة هناك، فضلًا عن القمع الشديد الذي تعرضوا له، والمجازر التي ارتُكبت بحقهم من قبل النظام السوري، وهي ترتقي إلى مجازر ضد الإنسانية، بما يهدد حياتهم ووجودهم بشكل مباشر، وليست هجرة اقتصادية، كما هي حال معظم اللاجئين الآخرين، من إيران وأفغانستان والعراق، وفرملة هذا اللجوء داخل اليونان وجزرها وتركيا، باعتبارهما دولتي استقبال وممر للاجئين.

أيضًا، تمّ فتح موانئ مالطا وصقلية وقتذاك، عندما كانت نسبة السوريين كبيرة بين الأفارقة وعرب الشمال الأفريقي، ولكن تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا، وانقلاب مصر، وإغلاق كافة الطرق والممار والمطارات العربية بوجه السوريين، خفف نسبة السوريين عبر المتوسط إلى البوابة الإيطالية واليونانية أيضًا؛ ما طرح كثيرًا من التساؤلات في الأوساط الأوروبية، حول ماهية ونوعية اللجوء والهجرة للقارة العجوز.

أشعلت أزمة سفينة (أكواريوس) الأخيرة في البحر المتوسط الخلافات الفرنسية الإيطالية، ورفعت حدة التوتر بين البلدين، إثر انتقادات الرئيس الفرنسي القاسية لقرار منع إيطاليا إنقاذ أو استقبال السفينة، في ميناء صقلية، التي كانت تضم أكثر من 600 مهاجر “غير شرعي”، واعتبرت فرنسا أن هذا الفعل مخالف للقانون الدولي.

منذ صعود اليمين الإيطالي المتطرف، الممثل بحركة خمسة نجوم الشعبوية والطليعة الإيطالية، التي تبنت سياسة سد الأبواب في وجه سفن المهاجرين؛ طُرحت مسألة نوع الهجرة المتدفقة إليها ما بين السياسية والاقتصادية.

تم نزع فتيل الأزمة، بعد تخفيف لهجة الانتقادات الفرنسية اللاذعة، وعقد قمة في الإليزيه بين رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ليرسما خريطة طريق جديدة لسياسة اللجوء الأوروبية، تتضمن مخاوف واعتراضات إيطاليا، باعتبارها دولة استقبال كبيرة للمهاجرين، إذ دخلها منذ عام 2015 أكثر من 700 ألف مهاجر غير شرعي، وهي بالمرتبة الثانية بعد ألمانيا، من حيث عدد اللاجئين، حيث وصل الرقم الألماني إلى مليون لاجئ معظمهم سوريون، أما في إيطاليا فمعظمهم أفارقة، من جنوب الصحراء لا علاقة لهم بثورات الربيع العربي، أو الثورات المضادة في العالم العربي وقمع الأنظمة الدكتاتورية العربية التي أدت إلى هذا التدهور الإنساني الفظيع. لكن تغيير الحكومة الإيطالية أدى إلى تغيير سياسة الباب المفتوح، التي تعتبر نفسها ضحية اتفاقية “دبلن” الأوروبية، وترتكز خريطة الطريق الفرنسية – الإيطالية على نقطتين مهمتين هما: إعادة النظر في “نظام دبلن” الذي يقول إن المهاجر يسجل في أول بلد يصل إليه، ويدخل من خلاله إلى الفضاء الأوروبي، وهو ما تعتبره إيطاليا مجحفًا بحقها. والثانية إيقاف طرق الموت، بمعنى منع المهاجرين أن يغادروا دولهم الأصلية، إن لم يكونوا ممن يستحقون اللجوء.

هنا طرح رئيس الوزراء الإيطالي فكرة تشكيل مراكز لتسجيل اللجوء في دول المصدر، أما الرئيس الفرنسي ماكرون فقد ذهب إلى أبعد من ذلك؛ باقتراح تعزيز الشراكة مع دول المصدر ودول الممر لمحاربة المهربين، وليس فقط بمسألة تسجيل اللاجئين، مع التشديد على أن حق اللجوء لا يمكن إعادة النظر فيه، وفي المقابل لا يمكن لأوروبا أن تستقبل كل من يهاجرون لأسباب اقتصادية، كما تحدث الرئيس الفرنسي عن مقترح تعزيز الحلول الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومن ضمنها الشواطئ التي تصل عبرها سفن المهاجرين.

اللافت هنا إعلان إسبانيا استقبال سفينة (أكواريوس)، ويقود إسبانيا حاليًا الحزبُ الاشتراكي الإسباني، الذي يتبنى سياسة الانفتاح على قضايا الهجرة واللجوء. وقد وصلت السفينة إلى ميناء فالنسيا، وتم تقديم الدعم الطبي والغذائي للمهاجرين ودراسة ملفاتهم لمنحهم حق اللجوء، وأبدت فرنسا رغبتها في استقبال من يرغب منهم في اللجوء إليها، مع دراسة وضع لجوء كل منهم. وبالمقابل أيد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف إيطاليا في خلافها مع فرنسا؛ ما يؤكد عمق الانقسامات بين دول الاتحاد الأوروبي، حول تبنّي سياسة لجوء موحدة. فالعدد الهائل للمهاجرين -خلال السنوات القليلة الماضية- أدى إلى تغيير المزاج العام الأوروبي، وصعود اليمين المتطرف، والخطاب الشعبوي الأوروبي المعادي للمهاجرين.

من ناحية أخرى، نلاحظ معاناة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من صعود اليمين المتطرف في بلادها، والخلافات داخل حزبها الحاكم والأحزاب المتحالفة معها في الائتلاف الحاكم؛ حول سياسة ألمانيا في الهجرة، ومن الواضح أنها تناور في تلك الخلافات لكسب الوقت، إذ تصر على استمرار سياستها في اللجوء وصولًا إلى برّ الأمان، أي القمة الأوروبية المرتقبة، وكأنها الملاذ الأخير وطوق نجاتها من أزمة حكومية ألمانية تلوح في الأفق.

بينما ماكرون، الذي هوجم منذ فترة من ناشطين فرنسيين وسياسيين إيطاليين، واتُّهم بأن سياسته تقوم على النفاق السياسي، وهو من يغلق طريق الألب بين إيطاليا وفرنسا، ويترك المهاجرين يموتون بردًا في صقيع الجبال، ويتيهون في طرقاتها الوعرة، بل بأن سلطاته تلاحق الناشطين الذين يساعدون المهاجرين في عبورها نحو فرنسا. ولكن سياسة الوجهين -كما يبدو- توقفت لدى ماكرون، بعد موقفه الحازم من فضيحة استعباد مهاجرين أفارقة في ليبيا، وقراره استقبالهم في فرنسا، وإدانته لعودة العبودية في إفريقيا، وهي أزمة إنسانية صادمة وطارئة، تم وضع خارطة طريق لتلافيها مستقبلًا؛ كونها وصلت إلى مستوى آخر معادل في الصدمة لمأساة السوريين المستمرة في رحلات لجوئهم المرعبة، سواء في قوارب الموت إلى جزر اليونان أو إيطاليا، أو طريق البلقان الشهير.

أعتقد بالنهاية أن للخصوصية السورية أولوية في استراتيجية أوروبا المقبلة، وخريطة طريقها حول توزيع اللاجئين السوريين بمختلف دول الاتحاد الأوروبي الذي تغيرت هويته خلال المأساة السورية؛ بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتصاعد خطاب الشعبويين واليمين الأوروبي المعادي للقادمين الجدد، وتصاعد لغة الكراهية والإسلاموفوبيا، وسيطرتهم على الحكم في عدد من البلدان الأوروبية.