ترجمات

بوتين سيتغلب على ترامب في هلسنكي… والبقية سيئة لنا

إن خطاب ترامب “أميركا أولاً” هو هدية للرئيس الروسي، الذي يريد استخدامه لتفكيك النظام الأوروبي الحالي

 

(*) الصورة: ترامب وبوتين في قمة سابقة في فيتنام. “من الصعب المبالغة في تقدير ما ستكون عليه نتيجة مباراة غير متساوية في هلسنكي”. تصوير: سبوتنيك/ رويترز

عندما يلتقي ترامب وبوتين في هلسنكي في 16 تموز/ يوليو؛ لن يكون هناك سوى فائز واحد: سيكون الشخص الذي يحب أن يُصوّر راكبًا الخيل في سيبيريا، وليس الشخص الذي يدور في عربة حول ملعب للغولف. أكبر الخاسرين، بطبيعة الحال، نحن، حيث إن الآفاق المستقبلية للسلم والازدهار العالمي تأخذ مسارًا انحداريًا آخر.

هلسنكي ستكون علامة بارزة، وهي أولُّ قمة بين الولايات المتحدة وروسيا، يعقدها الشعبويون القوميون. كل من هؤلاء الرجال كان يرمي الكرات الضخمة النظام العالمي القائم على القواعد. لا يهتم ترامب بأي شيء بالتحالفات والتعددية التي عمل سلفه على بنائها بعد عام 1945. وبضمّه شبه الكامل لمنطقة القرم في عام 2014، قام بوتين من جانب واحد بإعادة ترسيم الحدود، من خلال استخدام القوة العسكرية، وهي الأولى من نوعها في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

لا عجب أن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين يحزمون أمورهم، لشنِّ هجوم آخر على تسويةِ ما بعد الحرب التي يحاولون جاهدين إنقاذها: العمارة الأمنية للقارة، والاتحاد الأوروبي، والديمقراطية الليبرالية. سيلتقي ترامب بوتين بعد أيام فقط من قمة حلف شمال الأطلنطي التي يتوقع الجميع أن تكون مريرة، وزيارة بريطانيا حيث من شبه المؤكد أن تحدث احتجاجات كبيرة في الشوارع. الزيارة إلى موسكو تسمح له بالبحث عن بعض العزاء في الكرملين مع زعيم “قوي” يشبهه في التفكير.

يمكن القول إن مقاربة ترامب “أميركا أولًا” للشؤون العالمية هي أعظم هدية سياسية قُدمت إلى بوتين، منذ أن أبلغه في بادئ الأمر بوريس يلتسين في عام 1999 أن يتجه سريعًا إلى الكرملين ليحلّ بدلًا من زعيم مريض. كان انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا هدفاً سوفياتيًا منذ فترة طويلة، حيث يعتقد بوتين الآن أن هذا الهدف قد يكون في متناول اليد.

إذا كانت القوى السياسية المتطرفة التي يحب بوتين الترويج لها في أوروبا هي التي تتولى زمام الأمور، التي ساعد ترامب في تشجيعها أيضًا، يمكن للرئيس الروسي أن يبدأ في تصور علامة تجارية جديدة للعلاقة بين طرفي الأطلسي، ترتكز على الاستبداد والقومية المسيحية البيضاء، وهي وجهة نظر عالمية تناسب بوتين تمامًا. إن وجود زعيم قوي في البيت الأبيض يذم الحلفاء، ويشكك في حلف الناتو، ويهاجم ميركل، ويقول إن “الاتحاد الأوروبي ربما سيئ مثل الصين، وربما أصغر”، عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الولايات المتحدة، فهو ببساطة مجرد هبة من السماء.

في هلسنكي، سيقوم بوتين بنشر/ استخدام مجموعة أدوات KGB [إدارة أمن الدولة في روسيا] التي هضمها بسهولة في سنوات شبابه، للتغلب على ترامب. سيكون لدى بوتين وقت سهل للاستفادة من جهل ترامب، وغروره وتباهيه. وسوف يستمتع بحقيقة أن ترامب في هلسنكي سيكون غير قابل للمعرفة لمستشاريه، كما هو عمومًا بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة. وكما قالت مذكرة موجزة سُلّمت إلى الرئيس الأميركي، بعد إعادة انتخاب بوتين في آذار/ مارس: “لا تُهنئوا”. بالطبع، لم يستطع ترامب مقاومة القيام بذلك.

يعتقد الرئيس الأميركي أنه خبيرٌ في السياسة الخارجية. بعد لقائه مع الديكتاتور الكوري الشمالي، يعتقد ترامب أنه يستطيع أن يشق طريقه مرة أخرى، هذه المرة في أوروبا. (بغض النظر عن أن الاجتماع في سنغافورة كان في المقام الأول فوزًا كبيرًا للصين، حامية كوريا الشمالية). إن أكثر ما يقلق الأوروبيين الآن هو أن ترامب قد يقول إنه يريد وضع حدٍّ للتدريبات العسكرية مع حلفاء الولايات المتحدة. يقول توماس فالاسيك، وهو سفير سابق لدى الناتو، يرأس مركز أبحاث كارنيغي في أوروبا: “من الممكن إعادة تشكيل القمة الكورية، وقد يشير ترامب أيضًا إلى سحب القوات الأميركية من أوروبا. هذا هو القلق الأساسي لأي شخص تتحدث معه في الناتو”.

من الصعب أن تبالغ في المباراة غير المتكافئة التي ستتم بينهما في هلسنكي. يدير بوتين بنية سلطة ضيقة في موسكو، وحكم فردي عسكري. من الناحية النظرية، فإن ترامب مقيّدٌ من قبل الكونغرس (على سبيل المثال بما يتعلق بالعقوبات الروسية، التي لا يستطيع أن يلغيها بمفرده). كما يتمتع بوتين بتجربة طويلة مع رؤساء الولايات المتحدة الذين يحاولون إصلاح العلاقات الثنائية، ليكتشفوا لاحقًا مدى تأثر الكرملين بالمواجهة مع الولايات المتحدة، بسبب سرديتها السياسية الداخلية. لا يحتاج بوتين إلى عرض كأس العالم الاستثنائي ليعرف أنه على وشك تسجيل النقاط. وسيسعى للتغلب على ترامب بتنازلات وهمية، مثل الوعود الفارغة للحدّ من نفوذ إيران الإقليمي المتنامي.

يوم الإثنين 2 تموز/ يوليو، قال البيت الأبيض في بيانٍ: إن الولايات المتحدة “لا تعترف بمحاولة روسيا لضم شبه جزيرة القرم”. أتى هذا بشكل غريب كجهد لتقليص غرائز ترامب الأسوأ. لكن المتشككين سيلاحظون استخدام الزمن المضارع في هذه الجملة. لا تستصعب شيئًا أبدًا. عندما جلس جون بولتون، مستشار ترامب للأمن القومي، مع بوتين في موسكو الأسبوع الماضي للتحضير للقمة، كانت امرأة حذرة وكتومة تجلس إلى جواره، وتدوّن الملاحظات. كانت فيونا هيل، وهي خبيرة روسية لامعة انضمت إلى الإدارة في عام 2017، وشاركت عام 2013 في تأليف أحد أفضل الكتب حول شخصية واستراتيجية الرئيس الروسي: “السيد بوتين، العميل السري في الكرملين”. تُرى كم من معرفتها المتعمقة تلك سوف يصل إلى ترامب؟ بوتين واثق من أن الجواب هو: ليس كثيرًا.

روسيا لم تعد قوة عظمى. فاقتصادها الراكد هو بحجم اقتصاد إيطاليا. عدم المساواة/ التفاوت في ارتفاع قياسي، وهناك تذمرٌ وسخط شعبي نتيجة لذلك. الميزانية العسكرية لروسيا جزء ضئيل من ميزانية الولايات المتحدة العسكرية، والروس المتعلمون الأذكياء يهاجرون بأعداد كبيرة، وهروب رؤوس الأموال هائل. لكن المغامرات/ المشاريع الأجنبية في أوكرانيا والشرق الأوسط ساعدت بوتين في التعويض محليًا عن الفشل في تحديث بلاده. وحقيقة أن تكون هناك قمة في النهاية هي فوز كبير. لا يوجد شيء يحبه بوتين أفضل من حدثٍ يخلق الانطباع بأن الولايات المتحدة وروسيا تحددان شؤون العالم، كما كانا في السابق إبّان الحرب الباردة. هلسنكي، بكلّ رمزيتها التاريخية، ستقدّم له ذلك.

يقول الأميركيون المناصرون للعلاقة بين شطري الأطلسي، التقليديون في كثير من الأحيان، إن ترامب لا يهتم كل هذا القدر عندما يتعلق الأمر بروسيا، لأن الولايات المتحدة قد قلّصت في الواقع الإنفاق على الدفاع الأوروبي، منذ أن وصل ترامب إلى السلطة. لكن كمية العتاد التي تقوم بنشرها ستقيّم قليلًا؛ إذا كان رئيس الولايات المتحدة يشير إلى عدم اكتراث تجاه أوروبا أو معاداتها، كما هو الحال بالفعل. وبالمثل، فإن الأشخاص الذين يقولون إنه يتمّ شيطنة بوتين وإن التحدث إليه يمكن أن يساعد فقط في حل المشاكل التي تبرز بسهولة حول من هو ترامب، وما مدى غضبه عن عواقب تصرفاته على المسرح العالمي. إن الحديث مع بوتين في حدِّ ذاته ليس هو القضية، بل المهم هو ما تقوله له. في هلسنكي، سيعتقد ترامب النرجسي أنه يصنع التاريخ، بينما بوتين، العميل السري، سيضحك في سرّه.

 

اسم المقال الأصلي Putin will run rings round Trump in Helsinki. Bad news for the rest of us
الكاتب ناتالي نوغايرديه، Natalie Nougayrede
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian، 4/6
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2018/jul/04/helsinki-putin-trump-america-first-russian-president
عدد الكلمات 1026
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق