مقالات الرأي

الفجور المطلق

لا يتورع رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، الذي جاء إلى الحكم بعد أن أطاحت الاحتجاجات الشعبية سلفه هاني الملقي، عن التصريح بأن بلاده لن تفتح حدودها أمام اللاجئين السوريين العالقين على الحدود. وسبق أن صرّح العديد من المسؤولين اللبنانيين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ميشيل عون، ووزير الخارجية جبران باسيل (الذي لا يتورع عن بث العنصرية هنا وهناك)، بضرورة إعادة اللاجئين وتطبيع العلاقات مع دمشق.

من جهة ثانية، تجتاح أوروبا اليوم موجة من اليمين الذي يعمل على الوقوف بوجه اللاجئين ومنع تدفقهم، إضافة إلى سعي الحكومات لحصار اللاجئين في دول الجنوب قبل أن يصلوا إلى أراضيها، مرة عبر اتفاقات ثنائية كما جرى مع تركيا، ومرة عبر اتفاقات موسعة، وهناك سعي أوروبي اليوم لبناء مخيمات في دول المغرب العربي. وهذا كله يحصل بالتوازي مع تحول ملف اللاجئين إلى رقم قابل للاستثمار، في الانتخابات المحلية بكل بلد، بل وصل الأمر إلى أبعد من ذلك، إذ أصبحت مسألة اللجوء في أوروبا مسببة لـ “مشاكل سوف تزعزع أوروبا، في حال لم نتحرك”، كما قال الوزير الألماني للتنمية والتعاون الدولي، غيرد مولر، وهو يحذر من موجة لجوء جديدة نحو أوروبا.

من جهة ثالثة، يتحرك صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية، في كل مكان في العالم، للترويج لفتح حدود دول الجنوب أمام تدفق السلع الغربية، عبر تعميم اقتصاد السوق المفتوح، وتخلي الدولة عن التزاماتها تجاه شعوبها، أي التحول من نموذج الدولة التدخلية إلى الدولة الحارسة أو الراعية أو المنظمة لسير العملية الاقتصادية التي يحكمها رأس المال، محليًا ودوليًا، في الوقت الذي تضع فيه دول الشمال كل القيود التي تحمي اقتصادها من منافسة صادرات الجنوب، الأمر الذي يؤكد لنا أننا إزاء عالم مختل المعايير، عالم يغلق الحدود في وجه الفقراء المهجرين والهاربين من الحروب والموت، ويشرعن ذلك عبر قوانين تصدر لهذا الغرض، فيما يفتحها أمام تدفق السلع، دون أن نتحدث عن دور الغرب في بيع السلاح وأدوات القمع وأجهزة التنصت… للسلطويات العربية التي يعاد تأهيلها اليوم، بذريعة أن كلفة رحيلها أكبر من كلفة بقائها. ولعل سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعدّ المثالَ الحي على ازدواجية المعايير هذه؛ فسياسة واشنطن التي تعمم الحرب في كل مكان، هي أول الدول التي تغلق حدودها في وجه اللاجئين، وهي أول الدول التي تعاني سياساتها من الازدواجية بشأن الاقتصاد العالمي، إذ تنسحب من منظمة ما أو اتفاقية ما، وتدافع عن بقائها ضمن أخرى، وفقًا لخريطة مصالحها. الأمر نفسه ينطبق على الدول الأخرى، فدول مثل لبنان والأردن، مثلًا، كان لها دور بارز في سياق الحرب السورية؛ فالأردن تستضيف على أراضيها غرفة (الموك) التي تدير وتشرف على عمليات الجنوب، بدءًا من دخول السلاح إلى التدريب وغيره، فيما لا يتوقف مقاتلو (حزب الله) عن التدفق على سورية؛ ما يعني أننا إزاء شريكَين حقيقيين في ما يحصل في سورية، ولكن مع ذلك، يرفضان اليوم فتح الحدود للفقراء والمهجرين، بعد أن ساهموا -عمليًا وفعليًا- في ما وصل الوضع إليه اليوم، دون أن يعني ذلك نفي المسؤولية عن السوريين الذين يتحملون المسؤولية الأولى والأكبر عن وصول ثورتهم إلى المكان الذي وصلت إليه، حين لم يقدروا على الاستقلال بثورتهم ومصيرها، فأصبحت مجرد رقم على طاولات الكبار، فيما الشعب يجوع ويعطش ويُذل على حدود الدول المغلقة.

ما يجري اليوم يكاد يكون مرآةً لعالمٍ يزداد انحطاطًا وفجورًا، إذ لم يسبق أن كانت السياسة العالمية عارية كما هي اليوم، إذ يشير التأمل في التصريحات الصادرة عن قادة الدول والسياسيين، وفي السياسات المتبعة هنا وهناك، إلى أن الدبلوماسية التي كانت تستر السياسات خلفها اليوم قد أزيلت، لنرى عالَمنا كما هو دون رتوش، عالمًا محكومًا لرأس المال والمصالح وبيع السلاح، وما الدول والبلدان والشعوب إلا أدوات أو سلع أو مادة تدريب، كما يقول الرئيس فلاديمير بوتين، حين أشار أكثر من مرة إلى أن قواته تتدرب في سورية بشكل جيد! الأمر الذي يشير إلى أن ثمة انحدارًا كبيرًا في ممارسة السياسة يبرز اليوم إلى العلن، انحدارًا يعبّر عنه كل من فلاديمير بوتين ودونالد ترامب واليمين الأوروبي الصاعد وحكم الملالي الإيراني… فيما أدواتهم في العالم الثالث (بشار الأسد والسيسي ومحمد بن سلمان وحزب الله والحوثيون..) تقوم بتنفيذ المطلوب منها، أي تمهيد الأرضية اللازمة لتجعل من سياسات هؤلاء ممكنة، في حين تتراجع الديمقراطيات العريقة أمام هذا المد الصاعد، بل تجد نفسها في موقع الدفاع عن النفس، وهو ما نراه واضحًا في موقف كل من رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بمواجهة ترامب، وموقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بمواجهة حلفائها في الحكومة، في ما يخص ملف اللجوء وملفات أخرى.

ما سبق يطرح أسئلة عميقة: هل العالم كان دائمًا هكذا في الحقيقة؟ أي أن السياسة ليست إلا وجهًا أليفًا لرأس المال الحاكم والمفترس؟ وهل أنّ الأخير كان يحتاج إلى وجوه سياسية ناعمة، يحكم من خلالها لضمان مصالحه، وقد انتفت حاجته إلى هؤلاء اليوم، ولذا هو يتقدم ليحكم بنفسه، بكل الفجاجة التي نراها اليوم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق