استمرار رفض ظاهرة التجنيد الإجباري في مناطق (قسد)

تتواتر أخبار حول اعتقال (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) لشبان صغار لسوقهم إلى التجنيد في ميليشياتها، عبر شرطتها العسكرية، بفواصل زمنية تقترب من ثلاثة أشهر بين كل حملتين في هذا الاتجاه. والشبان المستهدفون في هذه الحملات يكونون أحيانًا في سن أصغر من أن يكونوا جنودًا في الميليشيا الكردية التي تتقلص المساحات التي تحكمها في شرق وشمال سورية.

الذريعة التي تستخدمها (قسد) تبدو منطقية للوهلة الأولى، كون (قسد) تأتمر بتعليمات وتوجيهات (حركة المجتمع الديمقراطي) المؤلفة من عدد من الأحزاب أكبرها (حزب العمال الكردستاني) التركي، و(حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي المرتبط بالحزب الأول عقائديًا، كذراع سورية له، وكون مهمة (الدفاع الذاتي) لا تقع فقط على عاتق الشباب الأكراد، بل على كل المكونات المحكومة من (وحدات حماية الشعب)، و(حزب الاتحاد الديمقراطي). لكن حقيقة أن هذه القوات الميليشياوية، والحزب الذي تأتمر بأمره، هي قوة احتلال وجبر، وافتقادهما لأي شرعية، حتى في المناطق الموصوفة بأنها ذات أغلبية كردية، تجعل تلك الذريعة ذات سند ضعيف.

لكن هذه القوة، في سياق الأمر الواقع، تستمر في اعتقال الشبان، وسوقهم بالقوة كي يكونوا مقاتلين في صفوفها.

يوم أمس الخميس، اعتقلت (الشرطة العسكرية) في (الإدارة الذاتية) الكردية ما لا يقل عن 15 شابًّا في مدينة الطبقة، غرب مدينة الرقة، لسوقهم إلى معسكرات تدريب مرتجلة وسريعة، كي يحملوا السلاح ويدافعوا عن عقيدة (حزب الاتحاد الديمقراطي).

وسبق أن اعتقلت (الشرطة العسكرية)، أواخر حزيران/ يونيو، 14 طالبًا في مدينة الطبقة ذاتها، للغاية ذاتها. وحدث ذلك في بلدة الكرامة، شرق الرقة، وفي قرية (حاوي الهوى)، غرب الرقة، وفي مدينة منبج شرق حلب، العام الماضي وبدايات هذا العام، قبل دخول المدينة في إطار اتفاق أميركي تركي، انتزع المدينة من (وحدات حماية الشعب).

تستند عقيدة وفكرة (الدفاع الذاتي) إلى مواثيق (حركة المجتمع الديمقراطي)، أو (تفْ دِم) (TEV-DEM) اختصارًا عن اللغة الكردية. حيث تلتزم الأحزاب في (الحركة) ذات “الطابع الأممي الشيوعي” بتلك الفكرة؛ ما يعني أن السكان القاطنين في مناطق تحكمها هذه (الحركة) غير ملزمين بمثل هذه الفكرة، إلا من باب الإذعان، والإجبار بالقوة.

فرض الواقع على الميليشيات الكردية اللجوءَ إلى التجنيد الإجباري، خلال أعوام الثورة، خاصة مع توسع المساحات التي تسيطر عليها، فما بين عامي 2012 و2015، كانت الميليشيات تسيطر على 12 في المئة من مساحة سورية (عفرين وريفها، عين العرب وريفها، وثلثي محافظة الحسكة). وتضاعفت هذه المساحة بعد منتصف عام 2015 إلى 24 في المئة من مساحة سورية، مع ما يعنيه ذلك من تضخم في عدد السكان، والحاجة إلى جنود أكثر لحمايتها، أو لزجهم في معارك توسع جديدة.

وقبل شهور، احتج شبان منبج المجبرين على القتال في هذه الميليشيات، بالقول: “يريدوننا أن ندافع عن ترامب وقواته.. لماذا لم يفرضوا هذا الأمر، حين كانت تركيا تلتهم عفرين؟”.

إجرائيًّا، كانت (الإدارة الذاتية) تدعو الشبان عبر إعلانات إلى تسوية أوضاعهم والانضمام إلى (واجب الدفاع الذاتي)، وعندما لا تجد أي استجابة؛ تقوم باعتقال من تجده من شباب في سن التجنيد، أو المراهقين، وإرسالهم إلى معسكرات التدريب.

وفي مطلع نيسان/ أبريل الماضي، خرجت تظاهرات عدة في الرقة احتجاجًا على تجنيد (قسد) شبانًا من المدينة، فتعامل العناصر المسلحون مع المتظاهرين بالقوة، وأطلقوا النار نحوهم، ما أدى إلى إصابة عدد من المتظاهرين، وفض التظاهرة، واعتقال عدد من الناشطين بلغ عددهم 25 شخصًا.

وفي أيار/ مايو الماضي، دعت (قسد)، في بيان لها، الشبانَ في مدينة الطبقة وريفها إلى “تسوية أوضاعهم”، والحصول على “دفتر واجب الدفاع”، تحت طائلة مضاعفة العقوبة. والعقوبة تتضمن السوق الإجباري إلى التجنيد، إضافة إلى غرامات مالية.

واعتبرت (قسد) أن بيانها بلاغ شخصي لكل شاب (مواليده ما بين 1990 و2000)، لمراجعة مراكز (قسد) ما بين 20 من أيار/ مايو الماضي و20 من آب/ أغسطس المقبل، لـ “تسوية أوضاعهم”، واستخراج “دفتر واجب الدفاع”.

وكانت (قسد) قد أعلمت في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي (أي بعد شهر تقريبًا من سيطرتها على الرقة) أهالي ريف الرقة الغربي والشرقي، بضرورة إرسال أبنائهم لـ “الانخراط في صفوفها” طوعًا، قبل نهاية العام الفائت، وإلا؛ فسيتم “سوقهم بالقوة” لاحقًا.

يشار إلى أن (حزب الاتحاد الديمقراطي) هو المستوى السياسي الذي تأتمر بأوامره ميليشيا (قسد)، و(الحزب) هو المعني بإطلاق حملات (التجنيد الإجباري)، في مناطق (الإدارة الذاتية) التي بدأت تتقلص مساحاتها مع بدء التدخل التركي في سورية ضد ميليشيات (وحدات حماية الشعب) الكردية، وأن حملات التجنيد تشمل الشبان والفتيات عادة، لكنها لم تشمل الفتيات في المناطق ذات الوجود العربي العشائري.