اختفاء معالم الدولة في لبنان

ما يحصل في لبنان أمرٌ يدعو للدهشة والذهول؛ كيف لدولةٍ أن تتخلى عن كل مقومات الدولة، بل عن أهم الأسس السيادية لهذه الدولة؟ هل تُعتبر قرارات التخلي عن السيادة قرارات شرعية؟ هل تحويل الدولة إلى (كانتونات) وميليشيات يتوافق مع القوانين الدولية ولا يحق الاعتراض عليه، كونه صادرًا عن حكومة شرعية؟

منذ مطلع الأسبوع الماضي، انتقل لبنان من العراك حول مرسوم التجنيس إلى قانون دخول مواطني دولة إيران إلى لبنان، من دون ختم دخول أو خروج على جوازات سفرهم، الأمر الذي أكّده قائد الشرطة في لبنان، في معرض إنكاره للخبر، حيث قال: إن خبر عدم ختم جوازات موانئ دولة إيران عارٍ عن الصحة، والصحيح أننا سنختم ختم الدخول والخروج، ولكن على ورقة خارج جواز السفر!!! الأمر يشبه النكتة، والمبرر هو “تشجيع السياحة الإيرانية في لبنان”، في الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن السوري تذكرة طيران وبطاقة حجز فندقي مدفوع، كي يُسمح له باستخدام مطار بيروت للسفر!

ما هو الهدف الحقيقي لدولة لبنان من هذا التصرف؟ كيف يمكن للبنان ضبط حركة آلاف الإيرانيين داخل لبنان، ومن يضمن أن هؤلاء ليسوا حرسًا ثوريًا إيرانيًا، سيتجهون إلى سورية فور وصولهم إلى مطار بيروت، بعيدًا من أعين الحكومة الروسية، بصفتها (حليفًا خصمًا) لها في سورية؟ ومن سيضمن خروج هؤلاء الإيرانيين من لبنان وسورية لاحقًا؟

لماذا تتستر لبنان على هوية زوارها؟ أليس في ذلك خداعًا للمؤسسات الأمنية الدولية؟ ما هو موقف الشرطة الدولية (الإنتربول) من القرار اللبناني الجديد؟ وكيف يمكنها ترصّد المجرمين المطلوبين على اللائحة الحمراء، في حال كان الدخول والخروج على ورقة خارجية، لا قيمة لها ولا تثبت تحركات المطلوبين من المجرمين؟

كيف يمكن أن يكون لبنان دولة، وهو في حال ضياع كامل؟ حيث لا يُسيطر لبنان الرسمي على الحدود، سواء في مطار رفيق الحريري أو الحدود السورية اللبنانية، حيث السيطرة الكاملة لـ (حزب الله) وأجهزته الأمنية، بعيدًا من أعين الدولة الرسمية اللبنانية؟

أين هي دولة لبنان، حين يستخدم رئيس الجمهورية صلاحيته لمنح الجنسية اللبنانية لمئات من رجال المال والأعمال المتورطين في قضايا فساد في بلدانهم؟ وفي الوقت ذاته، يُحاول بشتى السبل طرد اللاجئين السوريين الفقراء؟ أين هي دولة لبنان وسيادة دولة لبنان، و(حزب الله) وحده يحتفظ بحق قرار الحرب والسلم!!

أين هي الدولة في لبنان، حين يُصرّح قاسم سليماني بأنه بات يمتلك ثلاثة وسبعين مقعدًا في البرلمان اللبناني، وأن (حزب الله) تحول من حزب مقاوم إلى دولةٍ مقاومة؟ بمعنى آخر: يمتلك الولي الفقيه ثلاثة وسبعين صوتًا من أصوات المشرعين في لبنان، وبالتالي القرارات اللبنانية؟

أظن أن ما يحصل في لبنان من قرارات تُقوّض سيادته واستقلاله، وما حصل في سورية من خلال استخدام الأسد لصلاحياته لاستجلاب عصابات وميليشيات مهمتها قتل الشعب، هو ظاهرة تستحق الدراسة والبحث في مدى مشروعية القرارات التي تتخذها سلطات تتمترس خلف الشرعية، وإن كانت شرعية غير حقيقية كشرعية الرئيس السوري الذي أجرى انتخابات في سورية، حين كان سبعون بالمئة منها خارج سيطرته.

على رجال القانون الدولي والأمم المتحدة، التصدي للسلطات المحلية، حين تستخدم هذه السلطات صلاحياتها على نحو يُقوّض سيادة البلاد واستقلالها، وعدم الركون إلى قاعدة احترام سيادة الدول، خاصةً أن هذه الدول تُفرّط بسيادة نفسها؛ لأن في ذلك التفريط تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

إلى ذلك الحين، سيبقى المجرمون طلقاء، يتنقلون من طهران إلى بيروت ودمشق وبغداد وبالعكس، وسيبقى (حزب الله) صاحب قراري الحرب والسلم في المنطقة، وسيبقى رئيس جمهورية لبنان يُؤمِن الملاذات الأمنية للأشخاص المشبوهين وأموالهم.