عِلم أم علامات

حين سقطت الطرق من حساب المسافات بين المدن السورية، وأصبح الطلاب على أبواب الامتحانات، كان على أبناء الرقة أن يقطعوا المسافة إلى الأمل، برفقة أمهاتهم؛ فغالبية الآباء شردتهم الظروف المأساوية التي مرّت بها البلاد. وكأن تلك الرحلة مضمرة في تفسير الآية الكريمة: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) إلاّ أنه أذان الامتحانات؛ وليس الحج!! والأمهات هن اللواتي يأتين، برفقة أبنائهن؛ من كل فج عميق، والأعمق كان فجّ الرقة!!

لم يكن المشهد مأساويًّا. لقد رأيت حارسات الأمل السوريّ، أمام كلّ المدارس؛ ينتظرن خروج أبنائهن من الامتحان. فإن خرج الطالب مبتسمًا، تراها ابتسمت، وكأن مأساتها في ضمير الماضي!! وإن (عَبَسَ وَتَوَلَّى)، فإن دموع أمه تقف بباب مآقيها، فتضطرّ إلى أن تستحضر كلّ حزنها المؤجل. وتبدأ أسئلة النسوة اللواتي لم يخرج أبناؤهن من قاعة الامتحان بعد. هل الأسئلة صعبة؟ هل المراقبة شديدة؟ لماذا خرجت قبل أن ينتهي الوقت؟ في أي قاعة أنت؟ هل رأيت ابني، إنه يرتدي قميصًا أبيض؛ وبنطال جينز؟ إلى ما هنالك من أسئلة الحيرة. فتضطر أمه إلى أن تترك أسئلتها لوقت آخر، بعيدًا عن أسماع الفضوليات من صديقاتها. وما إن يبتعد عن جمهرة الناس أمام المدرسة، حتى تبدأ الأم باستدراج الأمل من جديد، مع بعض اللوم على خروجه المبكر. وتبدأ الاتصالات، وتبدأ معها سيرة الامتحانات، وما يحدث في الامتحانات، وأشكال الغش؛ وفنونه؛ واستثمار حالة الفوضى، وكأنها حالة طارئة!! لا شك أن اختراق حرمة الامتحانات بدأ قبل الأحداث بزمن ليس قليل. إلا أنه كان اختراقًا خجولًا آنذاك. والسؤال ليس لماذا أصبحت سمعة الامتحانات في الدرك الأسفل؟ السؤال لماذا أصبحت البكالوريا كابوس العائلة السورية؟ لماذا كان منهاج البكالوريا بشقيه (العلمي والأدبي) منهاجًا لتحدي قدرات الطالب على الحفظ، وليس ليتخطى من خلاله مرحلة من مراحل المعرفة، موازية لمرحلة المراهقة؟ لماذا لم تعد البكالوريا اختبارًا لمستوى فهم الطالب، بقدر ما أصبحت اختبارًا لمقدرته على الحفظ، والبصم؟ لماذا ينجح الطالب في الحصول على علامات تكاد أن تكون تامة بكافة المواد، ولا تتم ترجمة ذلك التفوق في الحياة العملية فيما بعد؟ أين أطباؤنا؟ أين مهندسونا؟ أين معلمونا؟ وأي عقل يقف وراء مديرية تطوير المناهج، لا بل أي ضمير ذاك الذي قرر أن يكون في منهاج الرياضيات 1300 مسألة، بدل 300 مسألة؟ يا لسعادة مدرسي الرياضيات؟ لقد انتقلوا، بفضل ذلك المنهاج العتيد، من مدرسين إلى (بزنس مان)، وأصبح للساعة من وقتهم ثمنها!! وما هو معيار النجاح؟ هل هو العلامة؟ على ما يبدو أن السياسة التعليمة لا ترى سوى العلامة، لذلك تفرغ الطلاب لجمع العلامات، وليس للعلم والمعرفة!! ولماذا وجدت مادة التربية الدينية، طالما لا يستفيد منها الطالب في المجموع؟ وهل لهذه المادة تأثير تربوي تتوخاه مديرية المناهج، ومن هم وراء قرارها بإلزام الطلاب بتلك المادة؟ أسئلة كثيرة يفتح بعضها بعضًا، منها ما يقودنا إلى الأسئلة، ومنها ما يقودنا إلى الاستغراب، وبعضها يأخذنا إلى الدهشة، وفي كل الأحوال، لا يوجد منطق نحتكم إليه في قضية البكالوريا، ثمة فوضى تحكمنا، وتتحكم في أولادنا.

مما أذكره؛ قيل: إن الرئيس حسني مبارك، أثناء علاجه في ألمانيا، كأيّ رئيس؛ أحدث وجوده فرقًا في المشفى؛ ما لفت نظر المرضى الآخرين إلى الأمر، فتساءل أحدهم عن الزائر الجديد؟

فقيل له إنه رئيس إحدى الدول وقد جاء للعلاج في المشفى. فاستغرب قائلًا: ألم يستطع خلال مدة حكمه أن يبني مشفى يليق به في بلده؟!