سورية: نظام لم ينتصر وشعب لم يُهزم

لا نذيع سرًا إذا قلنا إن الهيئات والتنظيمات التي تتحدث باسم المعارضة السورية تُعاني من التشتت، وانقسامها على ذاتها، وافتقارها إلى قيادة موحدة متماسكة. كما أن العديد من المنسوبين إليها شاركوا في مختلف الجهود الروسية التي استهدفت تمزيق المعارضة، وتمييعها، والالتفاف على القرارات والبيانات الدولية الخاصة بمعالجة الوضع السوري. كل ذلك من أجل تمكين نظام بشار الأسد من البقاء، ليكون واجهة تغطي على المصالح الروسية والإيرانية. وقد جاءت أحداث الجنوب السوري لتكشف النقاب مجددًا عن واقع التخبط الذي تعيشه هيئات وتشكيلات المعارضة السورية، أو بكلام أدق، تخبّط الأشخاص الذين يتحدثون باسمها. فليس هناك في واقع الأمر أي عقلية مؤسساتية تتصدى للتحديات انطلاقًا من المسؤولية الوطنية والتزاماتها، وإنما كل التحركات تأتي بناء على توجيهات، إن لم نقل أوامر، الدول التي تحكّم مصالحها وحساباتها قبل أي شيء آخر.

في مقابل هذا الواقع الميئوس منه تقريبًا على صعيد الهيئات والتشكيلات المعنية، نرى اندفاعًا روسيًا هدفه فرض واقع ميداني جديد في الجنوب، لتمهيد الطريق أمام عودة النظام. وهو سيناريو مكرر، مشابه لما حدث في حلب وحمص والغوطة، الأمر الذي يؤكد وجود خطةٍ أُسند أمر تنفيذها إلى الروس، مقابل تعهدات تلتزم بمقتضيات الأمن الإسرائيلي راهنًا ومستقبلًا، لا سيّما ما يخص الدور الإيراني في كل من سورية ولبنان. وهو الدور الذي أسهم بقوة في زعزعة كيانات دول المنطقة، بل شلّ النظام الرسمي العربي باكمله، وتسبّب في إضعاف دول المنطقة، خاصة الخليجية منها؛ ما أدّى إلى ضعف تاثيرها في واقع اختلال الموازين في المنطقة.

تؤكّد المعطيات جميعها، بكل وضوح، أن مصير الجنوب قد تقرّر بناء على توافق دولي، أميركي – روسي في المقام الأول، وغياب أي دور للعامل الوطني. ومن المتوقع أن يتناول اجتماع القمة المقبل بين الرئيسين الأميركي والروسي في هلسنكي، منتصف الشهر الحالي، حصيلة “الإنجاز الروسي” هناك، إلى جانب مصير المناطق الأخرى التي لم تخضع بعد لسلطة النظام. مثل إدلب وشرقي الفرات.

والسؤال الذي يفرض نفسه عادة أمام تحليلات ومناقشات كهذي هو: ما موقع السوريين من كل ما يجري؟ وما موقفهم من الذي يحصل لبلادهم وشعبهم ومقدراتهم؟ لأن المصير هو في نهاية المطاف مصير الأجيال السورية المقبلة.

النظام هو خارج المعادلة، ولكنه يبقى مع ذلك المظلة التي يستخدمها حلفاؤه للتمويه على أدوارهم وأهدافهم، سواء في سورية أم في المنطقة.

أما المعارضة “الرسمية دوليًا”، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، فقد باتت عبئًا على نفسها وعلى شعبها في الوقت ذاته. إذ لا تمتلك أي مشروعية سوى تلك التي أسبغتها عليها الدول التي جمعتها بتناقضاتها ورؤاها المختلفة، ومواقعها المتباينة من النظام. وذلك لتستخدمها واجهة في إطار الجهود الدولية والإقليمية التي من الواضح أنها قد تخلّت عن فكرة انتقال سياسي حقيقي في سورية كأولوية. وبات الحديث برمته يدور حاليًا حول لجنة دستورية في طريقها إلى التشكيل، وأخرى خاصة بالانتخابات ستكون محور مناقشات قادمة بين الدول أولًا، وبعد التوافقات تتشكل بواجهة سورية، “لتشرعن” ما قد تقرر بين الدول، بعيدًا من إرادة السوريين وتطلعاتهم، وبما لا يرتقي أبدًا إلى مستوى تضحياتهم.

ولكن السؤال الأهم يظل مطروحًا: هل يمكننا القول، بعد استعادة النظام السيطرة على جميع المناطق السورية اعتمادًا على الدعم العسكري المباشر، المتعدد الأوجه، لحلفائه، وبناء على التوافقات الروسية – الأميركية المرجحة، التي لم تتضح معالمها بعد، هل يمكننا القول بعد كل ذلك بأن النظام قد انتصر، وأنه سيتمكن ثانية، بأساليب أكثر قسوة وبطشًا، من فرض الخنوع والعبودية على الشعب السوري، لتصبح سورية مزرعة، ومساحة للتلويح بأوراق الضغط، لصالح كل من روسيا وإيران؟

أم أننا سندخل مرحلة جديدة، محورها استرجاع الثورة السورية روحيتها، وسماتها المدنية الديمقراطية، وألقها الإنساني الذي تمثّل في المطالبة بالمساواة والحرية والعدالة والكرامة، وهي القيم التي طالب، ويطالب، بها السوريون من سائر المكوّنات والتوجهات، وفي جميع الجهات؟

المرحلة التي عشناها، على مدى السنوات السبع العجاف، كانت قاسية من دون شك، ولكنها أكسبت السوريين تجربة لا تُضاهى في ميادين فهم طبيعة العلاقات بين الدول ومعها. كما أنها علّمتهم من كيسهم أن المصالح الدولية العارية هي التي تتحكّم في سياسات هذه الدول. أما القيم والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، فهي مجرد مادة لتخدير الضمائر، وهي تستخدم وقت اللزوم لإسباغ مسحة إنسانية على الحسابات التي يكون الإنسان بالنسبة إليها في آخر قائمة الاهتمامات.

أما على الصعيد الداخلي، فقد أدرك السوريون أن المشاريع العابرة للحدود لم تكن حلًا، ولن تكون كذلك. فلا المشاريع الإسلاموية بتدريجاتها وتلاوينها المختلفة، خاصة المتشددة منها، ولا المشاريع القوموية بأيديولوجياتها المتباينة، قد تمكنت من ملامسة طموحات السوريين وتطلعاتهم، ولم تنجح في جعلهم يشعرون بوحدة الانتماء والهوية. بل ما حدث كان على النقيض من ذلك؛ إذ عملت المشاريع المعنية على إلغاء الوطنية الهشة التي أسهم روّاد الاستقلال في رسم ملامحها، وأقدموا على جملة خطوات واعدة بشّرت بالكثير. ولكن سرعان ما أجهزت العقلية القوموية على ما تحقق، وذلك مع بداية سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم، واستمرت هذه السيطرة على مدار العقود التالية، ليتحول كل حديث عن مشروع وطني إلى تهمة تدين صاحبها من جانب أصحاب الشعارات القوموية الكبرى، التي كانت أداة للانقضاض على الداخل الوطني.

وكانت التهمة الرائجة في ذلك الحين هي القطرية التي اعتبرها الأيديولوجيون القوميون حجر عثرة أمام وحدة عربية، قالوا إنها ضرورية من أجل تحقيق النهوض الاقتصادي، وقد تمكّن منظروا هذا الاتجاه من فرض مزاعمهم على الأجيال الشابة، عبر مناهج التدريس والدعاية الحزبية الفاشية، وما زال الكثيرون يعانون من هيمنة تلك “المسلمات” الخادعة المضللة، التي كانت تعج بها صفحات الجرائد والكتب، وتبث عبر الأثير.

فسورية، بمساحتها التي تتجاوز 180 ألف كيلومتر مربع، واقتصادها المتنوع، كان عليها أن تنتظر الوحدة العربية الشاملة، لتتمكن من تأمين السكن اللائق، والتعليم المنتج، ولقمة العيش الكريم لمواطنيها، هذا في حين أن سنغافورة التي لا تتجاوز مساحتها 719 كيلومتر مربع، واقتصاد يفتقر إلى كل المواد الأولية الأساسية، قد تمكّنت في فترة قياسية من بلوغ مستويات أرقى الدول في ميادين مستوى دخل الفرد، والنظافة وحماية البيئة، والشفافية، ودرجة النمو الاقتصادي.

لقد اكتسب السوريون، لا سيّما الشباب منهم، خبرة هائلة في جميع الحقول، ولن يتمكن النظام -رغم كل ما حصل ويحصل- من التحكم في رقابهم وأرزاقهم من جديد، ولكن بشرط أن ينظم شبابنا أنفسهم، وتكون لهم رؤية وطنية متكاملة، تطمئن الجميع من دون أي استثناء، وتقطع مع الأوهام والاختلاقات والعقد الماضوية بكل أنواعها.