تحقيقات وتقارير سياسية

لن تكون درعا غراد

المطلوب من درعا، مهد الثورة السورية، استسلامها بشكل كامل، وتسعى موسكو لفرض إملاءات الإذعان لنظام دمشق تحت وابل الحرق والتدمير، متخذةً تكتيك الأرض المحروقة على معظم المناطق، وقد جرى التهديد والتنفيذ على مرأى ومسمع العالم أجمع: مئات آلاف النازحين يسلكون طرق التهجير نحو الحدود المغلقة، ضحايا بالمئات ودمار نال معظم المنطقة الجنوبية. وبذلك يتحتم “إخضاع” معظم المناطق الأخرى، التي تنتظر في الشمال السوري ما يشبه ذلك، بعد ترتيب توافق دولي على إخراج عملية التصفية والتدمير، لبقايا المجتمع السوري الثائر.

بين الغاصب والمغصوب، من درعا إلى كل منطقة سورية تمردت على الطاغية، دأب الغاصب في دمشق منذ البداية، عبر وكلائه في طهران وموسكو، على طمس معالم مدن وبلدات، بتهجير طائفي وتدمير منهجي، لتشويه الوقائع والتحكم في مجريات الأمور على الأرض، ولم ينجز ذلك إلا بفجاجة وعنجهية واستكبار وتحد لكل الشعب السوري، ولأن كل ما أنجزه الغاصب في دمشق، كان بقوة التدمير والبطش والإرهاب الموزع على عموم سورية؛ فقد تُوّج بـ “تواطؤ” دولي بالصمت عن جرائم، عددها السوريون بمختلف الوسائل، فلا عجب من نتائج تلك الوحشية على صعيد السيطرة والدمار، فدرعا، وقبلها مدن وبلدات، لن تكون “أسطورية في الصمود” العسكري، ولن تكون درعا غراد، ودوما غراد، والغوطة غراد، وحلب غراد.

ببساطة، لأن السوريين لم يكن في خاطرهم التسلح والتحضير لمعركة عسكرية كبرى، ومواجهة قوة موسكو “الفاشية العظمى”، في تجريبها ابتكارات القتل في سورية، ولا الدخول في مواجهة عسكرية مع طهران وموسكو وكل عصابات الأرض التي استعان بها الأسد لقهر السوريين، كانت مخازن السلاح، وما زالت، في عهدة المغتصب ينزلها على رؤوس المغصوبين، كلما نفد مخزن مدّته موسكو وطهران بمؤونة قتل السوريين، بينما يواجه الشعب السوري تلك الجبهة الممثلة بنظام الأسد وقوى الاحتلال الروسي الايراني وميليشياتهم، بوسائل “بسيطة”، حصل عليها من مخازن أسلحة النظام، عندما تهاوت قلاعه الأمنية، قبل المدد الإقليمي والدولي لنجدته من السقوط. إن ما يجرى في درعا، بمشهده الراهن الإسرائيلي والأميركي والروسي والأسدي المسيطر على حدود أقلقت الإسرائيلي، مؤشر على مَن الذي يتعرض لمؤامرة كبرى.

بكل الأحوال، معركة الشعب السوري مع النظام ليست عسكرية فقط. الترويج لهزيمة العسكرة في سورية هو لمنع التعبير عن جوهر المعركة التي خاضها ويخوضها السوريون للأبد مع حكم الأسد، فكلّ الأحلام التي راودت السوريين وتبلورت في تضحيات جسام، ستعيدهم للمربع الأول، وحالة الاشتباك ستبقى قائمة مع ملايين الأسباب التي تستدعي ثورات يومية بوجه النظام لإسقاطه ومحاكمته عن جرائمه، وما كان قائمًا قبل العام 2011 من ديكتاتورية وظلم وقهر وطغيان، وأدى إلى ثورة شعب، لن تحقق له سبعة أعوام من المجازر والتدمير أن ينعم بالأبدية.

المقاييس التي اكتسبها الشعب السوري، من خبرته في تلقي الخذلان والطعن، لن تزيده سوى تمسك في حريته ومواطنته وإصراره على النيل من النظام المجرم، وليس غريبًا، طبعًا، هذا التشويه والترويج لنهاية الثورة، نضال السوريين كان موجودًا، وسيبقى ويستمر التعامي عن التاريخ والواقع، بغطرسة قوى الاحتلال والدمار الشامل، ولن ينزع الصفة الأساسية لثورة السوريين ضد الطاغية. في الظاهر، يبدو الإصرار الروسي الأسدي على سحق السوريين بقوة النار مليئًا “بمفارقات” السيطرة.

طبيعي أن تكون المواجهة العسكرية غير متكافئة، مع قوة دولة متغطرسة كروسيا، ومن كان يعتقد أن صمود المدن والبلدات السورية كان بفعل التمترس العسكري؛ فهو واهم، إرادة الشعب صعب هزيمتها، لسبب بسيط أيضًا أن كل حاملي السلاح من الشعب السوري بوجه العصابة المنظمة مع دولة عظمى لن تحقق نصرًا، لأنه من دواعي السخرية ادعاء أن معركة السوريين عسكرية، ويسعون لتحويل مدنهم وبلداتهم إلى قلاع عسكرية، وهم المحكومون بأمل تحويل سورية إلى دولة لمواطنيها، وقد تحررت من الطاغية. لن تصمد المدن والبلدات من جرائم وتدمير، لكن ذاكرة السوري التي تحررت من الخوف ستحفظ نشيد الحرية لمحاكمة المجرمين.

Author

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق