حقوق المرأة.. أو المساواة مع الرجل

يردد الجميع شعار مساواة المرأة بالرجل، حتى ضجّ الشعار بالتكرار، دون حدوث تقدّم مهم ونوعي، رغم حركية التطور للمجتمع الذي تقدّم في الخمسينيات والستينيات مسافات مهمة، وانعكس ذلك على واقع المرأة، في العمل والتعليم والوظيفة والشأن العام، وإن لم يتجسّد فعليًا في الأحزاب التي تُكثر من تلك الشعارات، حيث ندرة وجود ومشاركة وفعالية المرأة، وغالبًا ما يكون التمثيل شكليًا، ويمكن القول إن الدساتير السورية لم تفرد بنودًا خاصة للمساواة، سوى دستور عام 1973 الذي تحدث عن ترقية المرأة، ومشاركتها “في المجتمع الاشتراكي”.

سؤال كبير كان يشغل البال: إلى أي مدًى نؤمن فعلًا بحرية المرأة ومساواتها بالرجل، حقوقًا وواجبات وليس تماثلًا، أو تشبّها بالرجل؟ وهل يتجسّد ذلك في أسرنا وعلاقاتنا الخاصة، ومع الزوجة والأخت والابنة والقريبة؟ أم أن الأغلبية ما زالت تحمل داخلها ذلك الرجل الشرقي الذكوري المفتخر بحقوقه، وسيطرته؟

هنا يمكن التأكيد أن حرية المرأة لا يمكن أن تجيء مستقلة أو منفصلة عن حرية وتطور المجتمع، فحين تكون بنى المجتمع متخلفة، وحين تبقى حركة التطور ضمن المراوحة أو التراجع، وحين يسود الاستبداد المكين، وتُعتقل وتصادر الحريات الديمقراطية، وتغزو الماضوية العقل والتفكير؛ فإن حرية المرأة تبقى شعارية وتدور في التكرار بل يمكن أن تتراجع الوقائع التي حدثت، ليعمّ وضع جديد يرسف بالقيود، والأدلجة الأسيرة الآسرة، كما هو حال المجتمعات العربية، منذ سقوط مشروع النهوض.

تجب الملاحظة أنه مع فشل المشروع النهضوي، ومعه الأحزاب اليسارية وشبه العلمانية والقومية.. وصعود ما يعرف بالصحوة الإسلامية؛ عرف واقع المجتمعات العربية تراجعات كبيرة تصل إلى حد لافت. وظاهرة الحجاب، بغض النظر عن موقعها من العقيدة والإيمان، تمثل برهانًا ساطعًا، ويقول بهذا المجال المفكر والقائد اليساري محمود أمين العالم: “كنا في الخمسينيات، نرى محجبة أو أقلّ بين كل عشر فتيات، وكانت القابلية على التحرر كبيرة، أما اليوم فالعكس هو الصحيح؛ حيث لا تجد بين عشرة فتيات واحدة دون حجاب”، عدا عن كمّ التفاصيل الجزئية التي تشغل معظم شيوخ و”علماء الدين”.

لم تستطع الأحزاب اليسارية، وهي صاحبة الشعارات الدائمة عن حرية المرأة وتحررها، ترجمة شعاراتها في تنظيماتها؛ فقليلًا ما توجد المرأة فيها، بينما يقلّ ذلك في المستويات القيادية درجة الندرة، وأحيانًا ضمن حسابات تكتيكية، أو من الأقارب والمقربين.

شاركت المرأة بقوة وفاعلية في الثورة السورية، التي هي بالأساس ثورة حرية، وفي عموم الميادين، غير أن تمثيلها في هيئات الثورة، والأحزاب المنخرطة فيها، ضئيل جدًا، وعلى سبيل المثال، بعد جهود وصراعات، وافق الائتلاف على ألا تقلّ نسبة تمثيل المرأة فيه عن 15 بالمئة، وكان البعض يريد رفع النسبة إلى عشرين، وخمسة وعشرين في المئة، ومع ذلك لم يستطع تحقيق تلك النسبة المتدنية، ناهيك عن مستوى التمثيل وفاعليته، ونجد الأمر في الهيئة العليا للمفاوضات السابقة، وفي هيئة المفاوضات السورية الحالية، على الرغم من الضغوط الدولية التي تنادي بألا يقل تمثيل المرأة عن 30 بالمئة، والوسيط الدولي دي ميستورا يصرّ على توفير هذا العدد، عبر ما يقوم به من تهيئات، في ما يعرف بـ “نساء دي ميستورا”، بتجميع عدد كبير من النساء السوريات واللقاء بهم تحت مسميات مختلفة، وإعدادهم للمشاركة في المفاوضات، وفي “اللجنة الدستورية” التي يُراد تشكيلها.

نادت الثورة السورية، نظريًا، بالحريات العامة لجميع السوريين، ونصّت معظم وثائق المعارضة، وبخاصة وثائق مؤتمر المعارضة في القاهرة أوائل تموز/ يوليو 2012، التي تشكل أهم توافق بين معظم أطراف المعارضة وقوى الثورة، صراحةً على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وأقرّت حقها بالترشح لجميع المناصب في الدولة، حتى منصب رئيس الجمهورية وغيره من المناصب الكبيرة، لكن مسارات الثورة عرفت تراجعات كبيرة في مختلف المجالات، بعد سيطرة الأسلمة والعَسكرة وخرجت أفكار، وتمّت ممارسات متشددة لا تمتّ إلى جوهر الدين الإسلامي، ناهيك عن العصر الراهن، وعن أساس النظام التعددي الديمقراطي، والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومنها المرأة.

اليوم، والثورة أمام منعرجات كبيرة، منها ضرورة تجديد خطابها وتصويب خطها، لا بدّ من العودة للجوهر، وإبراز دور المرأة وحقوقها، في الوثائق والواقع وفي هيئات الثورة كافة، والتعامل معها بروحية الديمقراطية، والتكافؤ، خاصة أن في الثورة قدرات نسائية كبيرة ومهمة، وقادرة على أن تكون لها بصمتها وفعلها.